" وَمَنْ قِبَلَهُ " ( 1 ) يُريدُ : ومن عنْدَهُ من حَشَمِهِ وأَتْباعِهِ ، وقُرِئَ : ( وَمَنْ قَبْلَهُ )
أي : ومَنْ تَقَدَّمَهُ ( وَالْمُؤْتَفِكَتُ ) المُنْقَلِباتُ بأَهْلِها ، وهي قُرى قَوْمِ لُوط
( بِالْخَاطِئَةِ ) بالخَطيئَةِ العظيمةِ التي هي الشِّركُ والفَاحِشَةُ ، أو : بالأفْعَالِ أو الفِعْلَةِ
ذَاتِ الخَطَأ الكَبيرِ ( فَأَخَذَهُمْ ) رَبُّهُم ( أَخْذَةً رَابِيَةً ) شَديدةً زَائِدَةً في الشِّدَّةِ ،
كما زَادَتْ قَبَائِحُهُم في القُبْحِ ، يقَالُ : رَبَا يَرْبُو إذا زَادَ . ( حَمَلْنَكُمْ ) حَمَلْنا آباءَكُم
( فِي الْجَارِيَةِ ) في سَفينةِ نُوح ، لأنَّهم إذا كانُوا من نَسْلِ المَحْمُولينَ النَّاجِينَ كانَ
حَمْلُ آبائِهم مِنَّةً عليهم ؛ لأنَّ نَجَاتَهُم سَبَبُ ولادَتِهِم .
( لِنَجْعَلَهَا ) الضَّميرُ للفعْلَةِ وهي نَجَاةُ المؤْمنينَ وإغْراقُ الكافرينَ ( تَذْكِرَةً )
عبْرَةً ومَوعِظَةً ( وَتَعِيَهَآ ) أي : تَحفُظُها ( أُذُنٌ وَعِيَةٌ ) شَأْنُها أَن تَعِيَ وتَحْفُظُ ما
سَمِعَتْ بهِ ، ولا تُضَيِّعُهُ بتَرْكِ العَمَلِ بهِ ، وكلُّ ما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ فَقَد وَعَيْتَهُ ، وما
حَفظتَهُ في غيْر نَفسِكَ فَقَد أَوْعَيتَهُ ، كما يُوعَى الشَّيءُ في الظَّرْفِ .
وعن النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قَالَ لعليٍّ ( عليه السلام ) عنْدَ نُزُولِ هذه الآية : سأَلْتُ اللهَ عزَّ اسمُهُ أَن
يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عليُّ ، قَالَ : فَمَا نَسَيْتُ شيئاً بَعْدُ ، وما كانَ لي أَن أَنْسى ( 2 ) .
وإنَّما نَكَّرَ ( أُذُنٌ ) وَوَحَّدَ ليؤْذِنَ بِقِلَّةِ الوعَاةِ ويُوَبِّخَ النَّاسَ بذلكَ ، وَليَدُلَّ على
هامش
( 1 ) الظاهر أن المصنّف رحمه الله قد اعتمد هنا على قراءة كسر القاف وفتح الباء تبعاً للكشّاف ،
وهي قراءة أبي عمرو والكسائي وعاصم برواية أبان . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 648 .
( 2 ) قد تواترت هذه الرواية عن العامّة والخاصّة إلى حدد الاستفاضة وعلى سبيل المثال لا
الحصر راجع : شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : ج 2 ص 361 ح 1007 وما بعده من طرق
عدّة ، وابن المغازلي الشافعي في المناقب : ص 318 ح 363 ، والحمويني في فرائد السمطين :
ج 1 ص 198 ، والعاصمي في كتابه زين الفتى : ص 605 ، وابن جرير الطبري في تفسيره : ج
12 ص 213 ، والسيوطي في الدّر المنثور : ج 8 ص 267 وعزاه إلى ابن جرير وسعيد بن
منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه .