كَظَمَ السِّقَاءِ إذا مَلأَهُ ، والمعنى : لا يُوجَدُ منْكَ ما وُجِدَ منْهُ من الضَّجَرِ والمُغَاضَبَةِ
لقَوْمِهِ . ( لَوْلاَ أَنْ تَدَرَكَهُ ) رَحْمَةٌ ( مِّنْ رَّبِّهِ ) بإجَابتِهِ ( 1 ) وتَخْليصِهِ من بَطْنِ الحُوتِ
حيّاً ( لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ ) لَطُرِحَ بالفَضَاءِ ، وَحَسُنَ تَذْكِيرُ ( تَدرَكَهُ ) لفَصْلِ الضَّميرِ .
( فَاجْتَبَهُ رَبُّهُ ) أي : اختَارَهُ ( فَجَعَلَهُ مِنَ ) الأَنبياءِ المُطيعينَ للهِِ ، وعن ابنِ عبَّاس :
ردَّ اللهُ إليهِ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وقَومِهِ ( 2 ) .
( وإنْ ) هي المخَفَّفَةُ من الثَّقيلةِ ، واللاَّمُ هي الفَارقَةُ ، وقُرِئَ : ( لَيُزْلِقُونَكَ ) بضَمِّ
الياءِ وفَتْحِها ( 3 ) ، وزَلَقَهُ وأَزْلَقَهُ بِمَعْنىً ، والمعنى : يَكادُ الكُفَّارُ من شدَّةِ تَحديقِهِم
ونَظَرِهِم إليكَ شَزْرَاً بِعيُونِ البَغضَاءِ والعَدَاوةِ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ أو يُهلِكُونَكَ ، من قَولِهِم :
نَظَرَ إِليَّ نَظَراً يَكادُ يَصْرَعُني ، وقيلَ : كانَتِ العَيْنُ في بني أَسَد ، فكانَ الرَّجُلُ منْهُم
يَتَجوَّعُ ثَلاثةَ أيَّام ، فَلاَ يَمُرُّ بهِ شيءٌ فَيقُولُ فيهِ : لَمْ أَرَ كاليَوْمِ مثْلَهُ ، إلاَّ عَانَهُ ، فأَرادوا
أَن يقُولَ بعضُهُم في رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مِثْلَ ذلكَ فَعَصَمَهُ اللهُ منه ( 4 ) . وعنِ الحَسَنِ :
دَواءُ الإِصَابَةِ بالعَيْنِ أَن يُقْرَأَ هذهِ الآيةِ ( 5 ) . ( لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ ) أي :
القُرآنَ لَمْ يَمْلكُوا أَنْفُسَهُم على ما أُوتيتَ من النَّبُوَّةِ ( وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونَ ) حِيرَةً
في أَمْرِكَ ، وتَنْفيراً عنْكَ . ( وَمَا هُوَ ) أي : ولَيْسَ القُرآنُ ( إِلاَّ ذِكْرٌ ) ومَوْعِظَةٌ
( لِلْعَلَمِينَ ) وهِدَايَةٌ لَهُم إلى الرُّشْدِ ، فَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَن جَاءَ بِمِثْلِهِ ؟ ! وقيلَ : ( ذِكْرٌ )
شَرَفٌ ( لِّلْعَلَمِينَ ) إلى أَن تَقُومَ السَّاعَة ( 6 ) .
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : " بإجابة دعائه " .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 596 .
( 3 ) وبالفتح هي قراءة نافع وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 647 .
( 4 ) قاله الكلبي فيما حكاه عنه الواحدي في أسباب النزول : ص 378 ح 894 . وعانَهُ : أي
أصابَهُ بالعين فهو عائِن ، والمصَابُ مَعين ومعْيُون ( لسان العرب ) .
( 5 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 385 .
( 6 ) قاله الشيخ الطوسي في التبيان : ج 10 ص 92 .