هذا الحُكْمَ الباطِلَ ، كأَنَّ أَمرَ الجَزَاءِ مفَوَّضٌ إليكُم حتَّى تَحكُمُوا فيهِ بما شِئْتُم .
( أَمْ لَكُمْ كِتَبٌ ) من السَّماءِ تَدْرُسُونَ ( فِيهِ ) أنَّ ما تَخْتَارونَهُ لكُم . والأَصْلُ :
تَدْرُسُونَ أنَّ لكُم ما تَخيَّرُونَ ، بفَتْحِ " أنَّ " لأنَّه مدْروسٌ ، فَلَمَّا جاءَتِ اللاَّمُ كُسِرَتْ
" إِنَّ " ، ويجُوزُ أن يكُونَ حِكَايةً للمدْرُوسِ كَمَا هو قَولُهُ : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاْخِرِينَ
سَلَمٌ على نُوح فِي الْعَلَمِينَ ) ( 1 ) ، وتَخَيَّرَ الشَّيءَ : أَخَذَ خَيْرَهُ ، ومِثْلُهُ : اخْتَارَهُ ، نَحْوُ :
تَنَخَّلَهُ وانتَخَلَهُ : أَخَذَ منْخُولَهُ .
( أَمْ لَكُمْ أيْمَنٌ ) مُغَلَّظَةٌ متَنَاهِيةٌ في التَّوكيدِ ثابتَةٌ ( عَلَيْنَا . . . إلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ )
لا تَخْرُجُ عن عُهْدَتِها إلى يَومِ القيامةِ ، إذا أَعْطَيْناكُم ما تَحكُمُونَ ، ويَجُوزُ أن يَتَعَلَّقَ
( إِلَى ) ب ( بَلِغَةٌ ) على معنى : أنَّها تَبلُغُ ذلِكُم اليَوْم وتَنْتَهي إليهِ ، وافِرَةٌ لَمْ تَبْطُلْ
مِنْها يَمِينٌ إلى أن يَحْصَلَ المُقْسَمُ عليهِ ، وهو قَولُهُ : ( إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ) .
( سَلْهُمْ أيُّهُم بذلِكَ ) الحُكْمِ ( زَعِيمٌ ) أي : كَفيلٌ ، وهو : أَنَّ لَهُم في الآخِرَةِ ما
للمسلمينَ . ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ ) في هذا القَوْلِ يشَاركُونَهُم فيهِ ، ويوافقُونَهُم عليهِ
( فَلْيَأْتُواْ ) بِهِم ( إِنْ كَانُواْ صَدِقِينَ ) في دَعْواهُم ، يُريدُ : أنَّ أَحَداً لاَ يُسَلِّمُ لَهُم هذا ،
كَمَا أنَّه لا كِتَابَ لَهُم يَنْطُقُ بهِ ، ولا عَهْدٌ لَهُم بهِ عند اللهِ ، ولا زَعيمٌ لَهُم يَقُومُ بهِ .
( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق ) هو عِبَارةٌ عن شِدَّةِ الأَمْرِ ، وأَصْلُهُ في الحَرْبِ ( 2 )
والهَزيمةِ بتَشْميرِ المُخَدَّرَاتِ عن سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ ، قَالَ :
كَشَفَتْ لَكُم عن سَاقِها * وبَدَا من الشَّرِّ الصُّراخُ ( 3 )
والمعنى : يَوْمَ يشْتَدُّ الأَمرُ ويَتَفَاقَمُ ، ولا سَاقَ ثَمَّ ولا كَشْفٌ وإنَّما هو مَثَلٌ ،
هامش
( 1 ) الصافَّات : 78 و 79 .
( 2 ) في الكشّاف : " الروع " .
( 3 ) في نسخة : " الصراع " بدل " الصُّراخ " . والبيت لسعد بن مالك جدّ طرفة بن العبد الشاعر
الشهير . أُنظر معاني القرآن للفرّاء : ج 3 ص 177 وفيه : " لهم " بدل " لكم " ، و " البراح " بدل
" الصُّراخ " .