وإنَّما جَاءَ مُنَكَّراً للدَلاَلةِ على أنَّه أَمرٌ مبْهَمٌ في الشِّدَّةِ ، خَارجٌ عن العَادَةِ . والعَامِلُ
في ( يَوْمَ ) : ( فَلْيَأْتُواْ ) ، أو : هو على : يَوْمَ يُكْشَفُ عن سَاق يكُونُ كَيْتٌ وكَيْت ،
فَحُذِفَ للتَّهويلِ والتَّنْبيهِ على أنَّ ثَمَّ مِن الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ ( وَيُدْعَوْنَ
إلَى الْسُّجُودِ ) تَعْنيفاً لا تَكْليفاً ( فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) حِيلَ بينَهُم وبينَ الاستطَاعَةِ
تَحسيراً لَهُم وتَنْديماً على ما فَرَطُوا فيهِ حينَ دُعُوا إلَى السُّجُودِ وَهُم سَالِمُو
الأَصْلابِ والمَفَاصِلِ مُتَمكِّنُونَ . وفي الحَديثِ : " يَبقَى أَصْلابُهُم طبْقاً واحِداً " ( 1 )
أي : فَقَارَةً واحِدَةً لا تَثَنّى .
( فَذَرْنِى ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ) يَعني : القُرآنَ ، يُقَالُ : ذَرْني وإِيَّاهُ ، أي :
كِلْهُ إِليَّ فإنّي سأَكْفِيكَهُ ، والمُرادُ : حَسْبِي مُجَازياً لِمَنْ يُكَذِّبُ بكِتَابي ، فَلاَ تَشْغلْ
قَلْبَكَ بشَأْنِهِ .
وفي الأَثَرِ : " كَمْ مِن مسْتَدْرج بالإحْسَانِ إليهِ ! وكَمْ من مغْرُور بالسَّتْرِ عليهِ !
وكَمْ من مفْتُون بحُسْنِ القَوْلِ فيه ! " ( 2 ) .
سَمَّى جلَّ اسمُهُ إحْسَانَهُ وتَمْكينَهُ كَيْداً ، كَمَا سَمَّاهُ استِدْراجاً وهو الاستِنْزَالُ
إلى الهَلاَكِ دَرَجَةً دَرَجَةً حتَّى يَتَورَّطَ فيهِ ، لِكَونِ ذلكَ في صُورةِ الكَيْدِ من حيثُ
كانَ السَّبَبَ في الهَلاَك .
وَالْمَغْرَمُ : الغَرَامَةُ ، أي : لَمْ تَطْلُبْ منْهُم علَى الهِدَايةِ والتَّعليم ( أَجْراً ) فَيثْقُلُ
عَلَيْهم حَمْلُ الغَرامَاتِ في أَمْوالِهِم فَثَبَّطَهُم ذلكَ عن الإِيْمَانِ .
( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) أي : اللَّوحُ المَحْفُوظُ ( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) منْهُ ما يَحكُمُونَ بهِ
( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) هو إمْهَالُهُم وتَأْخيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيهم ( وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ
الْحُوتِ ) يُونُسَ ( عليه السلام ) ( إِذْ نَادَى ) في بَطْنِ الحُوتِ ( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) مَمْلُوٌّ غَمّاً من :
هامش
( 1 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 595 بهذا اللفظ مرسلاً .
( 2 ) المأثور عن الحسن البصري . راجع تفسيره : ج 2 ص 361 .