وَغَدَوْا قَادِرينَ على نَكَد وذَهَابِ خَيْر عَاجزينَ عن النَّفْعِ ، أَو : لمَّا قَالُوا : اغدُوا على
حَرْثِكُم وَقَد فَسَدَتْ نيَّتُهُم عَاقَبَهُم اللهُ بأَن حَارَدَتْ جَنَّتُهُم وحُرِمُوا خَيْرَها ، فَلَمْ
يَغْدوا على حَرْث وإِنَّما غَدَوْا على حَرْد . و ( قَدِرِينَ ) مِنْ عَكسِ الكلامِ للتَّهكُّمِ ،
أي : قَادرينَ على ما عَزَمُوا عليهِ من الصِّرَامِ وحِرْمَانِ المَسَاكينِ ، و ( عَلَى حَرْد )
لَيسَ بصِلَة للقَادِرينَ ، وقيلَ : ( على حَرْد ) على قَصْد إلى جنَّتِهِم بسُرْعَة ونَشَاط
( قَدِرِينَ ) عنْدَ أنفُسِهِم يقُولُونَ : نَحْنُ نَقْدِرُ على صِّرامِها ( 1 ) ، أو : مُقَدِّرين أَن يَتُمَّ
لَهُم مُرادُهُم من الصِّرَامِ والحِرْمَانِ .
( فَلَمَّا ) رَأَوْا جنَّتَهُم على تلكَ الصِّفَةِ ( قَالُواْ ) في بَديهَةِ وصُولِهِم ( إِنَّا
لَضَآلُّونَ ) ضَلَلْنَا جنَّتَنا وما هِيَ بِهَا ، فَلَمَّا تأمَّلُوا عَرفُوا أنَّها هي . قَالُوا : ( بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ ) حُرِمْنا خَيْرَها لِجِنَايتِنَا على أَنْفُسِنا . ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) أَعْدَلُهُم
وخَيْرُهُم ، يقَالُ : هو من وَسَطِ قَوْمِهِ ( لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ) هَلاَّ تَذْكُرونَ اللهَ وتَتُوبونَ إليهِ
من خُبْثِ نيَّتِكُم ؟ ( قَالُوا سُبْحَنَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ) تَكَلَّمُوا بما دَعَاهُم إلَى
التَّكَلُّم بِهِ ، نزَّهُوا اللهَ سبحانَهُ عن الظُّلْمِ وعن كلِّ قَبيح ، ثم اعتَرفُوا بظُلْمِهِم في مَنْعِ
المَعْروفِ وتَرْكِ الاستثْناء .
( يَتَلَوَمُونَ ) أي : يَلُومُ بعضُهُم بَعْضاً على ما فَرَطَ منْهُم . ( إِنَّا كُنَّا طَغِينَ )
متَجَاوزينَ الحَدّ في الظُّلْمِ . ( أَنْ يُبْدِلَنَا ) قُرئَ بالتَّشديدِ ( 2 ) والتَّخفيفِ ( إِنَّآ إِلَى
رَبِّنَا رَغِبُونَ ) طَالِبُونَ منْهُ الخَيْرَ . مِثْلُ ذلِكَ ( الْعَذَاب ) الذي بَلَوْنَا بِهِ أَهْلَ مكَّةَ
وأَصْحَابَ الجنَّةِ عَذَابُ الدُّنيا ( وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ ) أَشَدُّ وأَعْظَمُ منْهُ .
وعنْ مُجَاهِد : تاَبُوا فأُبْدلُوا خَيْراً مِنْها ( 3 ) . وعنِ ابنِ مَسْعود : بَلَغَني أَنَّهم
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 191 .
( 2 ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 397 .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 592 .