( ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ) ثمَّ لَمْ يَشُكُّوا بَعَد ثَلْجِ صدُورِهِمْ بالإِيْمانِ بأَنْ يَعْتَرِضَهُم
الشَّيْطانُ أَو بعضُ المُضلِّينَ فَيُشَكِّكَهُم وَيقْذفُ في قُلُوبِهِم ما يَثْلَمُ اليقينَ
( وَجَهَدُواْ ) العَدُوَّ المُحَارِبَ أو الشَّيطانَ أو النَّفْسَ الأمَّارَةَ بالسُّوءِ ( أُولئِكَ هُم )
الَّذِينَ صَدَقُوا في قَولِهِم : آمَنَّا ، ولَمْ يكذبُوا كَمَا كَذَبَ أَعْرابُ بني أَسَد ، وهم الَّذينَ
إيْمانُهُم إيْمانُ صِدْق وحَقٍّ .
( قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ ) أي : أَتُخْبِرُونَ الله بدينِكُم ، والمعنى : أَنَّه عَالِمٌ
بذلكَ ، ومُحِيطٌ بضَمَائِرِكُم ، وَلاَ يَحتَاجُ إلى إخْبَارِكُم بِهِ ؛ لأَنَّه ( يَعْلَمُ ) جَميعَ
المعلُومَاتِ لذَاتِهِ ، فلا يَحتَاجُ إلى عِلْم يَعْلَمُ بِهِ ولا إلى مَنْ يُعَلِّمُهُ .
يُقَالُ : مَنَّ عليهِ بِيَد أَسْدَاهَا إليهِ : إذا اعتَدَّهَا عليهِ إنْعَاماً ، أي : لا تَعْتَدُّوا عَلَىَّ بما
لَيْسَ جَديراً بالاعتدادِ بِهِ من حَديثِكُم الَّذي حَقَّ تَسميتُهُ أن يُقَالَ لَهُ : إِسْلاَمٌ لا إِيْمان
( بَلِ اللهُ ) يَعْتَدُّ ( عَلَيْكُم ) بأَنْ أَمَدَّكُم بتَوفيقهِ حينَ ( هَدَاكُمْ لِلاِْيمَنِ ) على ما
زَعَمْتُم وادَّعَيْتُم : أَنَّكُم أُرْشِدْتُم إليهِ وَوُفِّقْتُم لَهُ ، إِنْ صَحَّ زَعْمُكُم وصَدَقَتْ دَعْواكُم ،
لا أنَّكُم تَزْعمُونَ : ما اللهُ عَالِمٌ بخلافِهِ ! وفي إضَافَةِ " الإِسلامِ " إليهِم وإيْرادِ
" الإِيْمانِ " غَيْرِ مُضَاف ما لا يَخْفى على متَأَمِّلِهِ ، وجَوابُ الشَّرْطِ محذُوفٌ لدلالةِ ما
قَبْلِهِ عليهِ ، تَقْديرُهُ : إنْ كنْتُم صَادقينَ في ادِّعائِكُم الإِيْمانَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عليكُم .
وقُرِئ : ( بما تَعْمَلُونَ ) بالتَّاءِ والياءِ ( 1 ) وفيه إِشَارةٌ إلى كونِهِم غَيْرَ صادقينَ
في دَعْواهُم ، أي : لا يخفى عليهِ شيءٌ من أَسرارِكُم فَكَيفَ لا يَظْهَرُ على صدقِكُم
وكَذِبِكُم ؟
* * *
هامش
( 1 ) وبالياء هي قراءة ابن كثير وعاصم برواية أبان عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 606 .