على هذا التَّفْسيرِ متَعلِّقةً بالنَّهيِ عن التَّنَابزِ ، والثَّالثُ : أَن يُجْعَلَ مَنْ فَسَقَ غَيْرُ مؤْمن ،
كَمَا تقُولُ للمُتَحَوِّلِ عن التِّجارةِ إلى الفِلاَحَةِ : بِئْسَت الحرْفَةُ الفِلاَحَةُ بَعْدَ التِّجارةِ .
( اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِنَ الْظَّنِّ ) وهو أَن يظنَّ بأَهْلِ الخيرِ سُوءاً ، يَقالُ : جَنَّبَهُ الشَّرَّ إذا
أَبْعَدَهُ عَنْهُ ، وَحَقيقتُهُ : جَعَلَهُ منْهُ في جَانب ، فَيُعَدَّى إلى مفْعُولَيْنِ ، ومُطَاوَعَتُهُ : اجْتَنَبَ
الشَّر ، فَتَعَدَّى إلى مفْعُول واحِد ( إِنَّ بَعْضَ الْظَّنِّ إثْمٌ ) أي : ذَنْبٌ يَستَحَق بهِ العِقَابَ
( وَلاَ تَجَسَّسُواْ ) والتَّجَسُّسُ - بالجيمِ والحاءِ - واحِدٌ ، وَالجِيمُ تفعُّلٌ من الجَسِّ ، كَمَا
أَنّ التَلَمُّسَ بمعنَى التَطَلُّبِ من اللَّمْسِ ، والحَاءُ بمعنَى التعرُّفِ من الحسِّ ، ولِتَقَارِبِهما
قيلَ لِمَشَاعرِ الإِنسانِ : الحَوَاس ، بالحاءِ والجيمِ ، والمُرادُ : النَّهْيُ عن تَتبُّعِ عَوْرَاتِ
المسلمينَ ومَعَائِبِهِم ( وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) يُقَالُ : غَابَهُ واغْتَابَهُ كَغَالَهُ واغْتَالَهُ ،
والْغِيبَةُ من الاغْتِيابِ كالْغِيلَةِ من الاغْتيالِ ، وهي ذِكْرُ السُّوءِ في الْغَيْبةِ .
وسُئِلَ النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الْغِيبةِ فَقَالَ : " أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بما يَكْرَهُ ، فإنْ كانَ فيهِ
فَقَد اغْتَبْتَهُ ، وإنْ لَمْ يكُنْ فيهِ فَقَد بَهَتَّه " ( 1 ) .
( أيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ) تَمثيلٌ وتَصْويرٌ لِمَا يَنَالُهُ المغتَابُ مِن عِرْضِ المغتابِ على
أَفْظَعِ وَجْه . وعن قَتَادةَ : كَمَا تَكْرَهُ إنْ وَجَدْتَ جِيفَةً مدوِّدَةً أَن تَأْكُلَ منْها كذلكَ فَاكْرَهْ
لَحْمَ أَخيكَ وهو حيٌّ ( 2 ) . و ( مَيْتاً ) نَصْبٌ على الحالِ من ( لَحْم أَخِيهِ ) أو من
" الأخ " ، ولمَّا قَرَّرَ سبحانَهُ بأَنَّ أَحَداً منْهُم لا يُحِبُّ أَكْلَ جيفَةِ أخيهِ عَقَّبَ ذلكَ بقَولِهِ :
( فَكَرِهْتُمُوهُ ) أي : فَتَحَقَّقَتْ بوجوبِ الإِقْرَارِ عليكُم كَراهَتُكُم لَهُ ونُفُورُ طباعِكُم
منْهُ ، فاكْرَهُوا ما هو نَظيرُهُ من الغِيْبَةِ .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الصحيح : ج 4 ص 2001 ح 2589 ، وفي مجموعة ورّام : ص 95 بألفاظ
متقاربة ، والشهيد الثاني في كشف الريبة : ص 52 .
( 2 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 11 ص 396 .