( وَجَزَؤُاْ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) سمَّى سبحانَهُ كِلْتَا الفِعْلَتَيْنِ : الأُولى وجَزَاءَها
سيِّئةً ؛ لأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ . ومعنَاهُ : أَنَّه إذا قُوبِلَتِ الإِساءةُ وَجَبَ أَن يُقَابَلَ بِمثْلِها
من غَيْرِ زيادة ( فَمَنْ عَفَا ) عمَّا لَهُ المؤَاخَذَة بِهِ ( وَأَصْلَحَ ) أَمْرَهُ فيما بينَهُ وبين ربِّهِ ،
أو : بينَهُ وبينَ خَصْمِهِ بالعَفْوِ والإِغْضَاءِ ( فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) عِدَّةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُحَاطُ
بكُنْهِهَا في العِظَمِ ( إِنَّه لاَ يُحِبُّ الْظَّلِمينَ ) فيه دَلالةٌ على أنَّ الانتصارَ لا يُؤْمَنُ فيهِ
تَجاوزُ النَّصَفةِ والسَويَّةِ والاعتداءِ ، ولا سيَّما في حالِ الغَضَبِ ، فَرُبَّما كانَ المنتصرُ
ظَالِماً من حيثُ لا يَشْعُرُ .
وفي الحديثِ : " إذا كانَ يَومُ القيامةِ نَادى مُنَاد : مَنْ كانَ أَجْرُهُ على اللهِ
فَلْيَدخُل الجنَّة ، فَيقَالُ : مَن ذا الَّذي أَجْرُهُ على اللهِ ؟ فَيقَالُ : العَافُونَ عن النَّاسِ
يدخُلُونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسَاب " ( 1 ) .
( بَعْدَ ظُلْمِهِ ) أَضَافَ المَصْدَرَ إلى المفعُولِ ، أَي : بَعْدَ أَن ظُلِمَ وَتُعُدِّيَ عليهِ
( فَأولَئِكَ ) إشَارةٌ إلى معنى " مَنْ " دونَ لَفْظِهِ ( مَا عَلَيْهِمْ مِّنْ سَبِيل ) للمُعَاقِبِ ولا
للعَائِبِ ( إنَّمَا السَّبيلُ ) أي : العِقَابُ والذَّمُّ ( عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الْنَّاسَ ) ابتِدَاءً .
( وَلَمَنْ صَبَرَ ) على الظُّلْمِ والأَذَى ( وغَفَر ) ولَمْ يَنْتَصِرْ ( إِنَّ ذلِكَ ) الصَّبْرَ والمغْفِرَةَ
منْهُ ( لَمِنْ عَزْمِ الاُْمُورِ ) وحُذِفَ الراجِعُ ؛ للعِلْمِ بهِ كَمَا حُذِفَ من قَولِهِم : السَّمْنُ
مَنَوانِ بدرهَم ، وعَزْمُ الأُمُورِ : هو الأَخْذُ بأَعْلاها في بَابِ نَيْلِ الثَّوابِ والأَ جْرِ .
( خَشِعِينَ ) متَواضِعينَ متَضَائِلينَ ممَّا يَلْحَقُهُم ( مِنَ الْذّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ
طَرْف خَفِيٍّ ) أي : يَبْتَدِئُ نَظَرُهُم من تَحْريك ضَعيف لأَجْفَانِهِم ، خفيٍّ بمُسَارَقَة ،
كَمَا تَرَى المَصبُورَ ( 2 ) يَنْظُرُ إلى السَّيفِ لا يَمْلأُ أجْفَانَهُ منْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاظِرُ إلى
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر : ج 7 ص 359 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي
في الشعب عن أنس .
( 2 ) المصبور : المحبوس للقتل ( لسان العرب : مادة صبر ) .