" إِرْسَالاً " ، و ( منْ وَرَاءِ حِجَاب ) ظَرفٌ وَقَعَ مَوقِعَ الحالِ أيضاً كقَولِهِ : ( دَعَانَا
لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ) ( 1 ) ، وتَقديرُهُ : ومَا صَحَّ أَنْ يُكَلِّمَ اللهُ واحِدَاً إلاَّ مُوحِياً أو
مُسْمِعاً ( مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ) أَو مُرْسِلاً رَسُولاً . ويجُوزُ أَن يكُونَ ( وَحْياً ) موضُوعاً
مَوضِعَ " كلاماً " لأنَّ الوَحْيَ كَلامٌ خَفِيٌّ في سُرعة ، كَمَا يقُولُ : لا أُكلِّمُهُ إلاَّ جَهْراً ، لأنَّ
الجَهْرَ ضَرْبٌ من الكلامِ ، وكذلك " إِرْسَالاً " جَعَلَ الكلامَ على لسانِ الرسُولِ بمنزلةِ
الكلامِ بغَيْرِ واسطة ، تقُولُ : قُلتُ لِفُلان كَذَا ، وإنَّما قَالَهُ وكيلُكَ أو رسُولُكَ ، وقَولُهُ : ( أَوْ
مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ) معنَاهُ : أَوْ إِسْمَاعاً من وَرَاءِ حِجَاب . ومَنْ جَعَلَ ( وَحْياً ) في
معنى " أَن يُوحِيَ " وعَطَفَ ( أَوْ يُرسِلَ ) علَيهِ على معنى : وما كانَ لبشر أَن يُكلّمَهُ
إلاَّ بأَن يُوحِي أَو بأَنْ يُرسِلَ ، فلا بُدَّ أَن يُقدِّر قولَهُ : ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ) تَقْديراً
يُطابِقُهُما عليهِ ، نَحْوَ : أَو أَنْ يُسْمِعَ من وَرَاءِ حِجَاب . وقُرِئ : " أَوْ يُرسِلُ فَيُوحِىْ "
بالرَّفعِ ( 2 ) على : " أَو هُوَ يُرسِلُ " ، أو : هُوَ بمَعْنى " مُرْسِلاً " عَطْفاً على ( وَحْياً ) في
معنى " مُوحِياً " ( إنَّهُ عَلِىٌّ ) عن صِفَاتِ المخلُوقينَ ( حَكِيمٌ ) يُجْرِي أَفْعَالَهُ عن
الحكمةِ ، فَيُكلِّمُ تارةً بواسِطَة ، وأُخرى بغَيْرِ واسِطَة : إِمَّا إلْهَاماً أو خِطَاباً .
( رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ) يَعني : القُرآنَ ، لأنَّ الخَلْقَ يَحْيُونَ بهِ في دينِهِم كَمَا يَحْيَا الجَسَدُ
بالرُّوحِ ، وقيلَ : هو روحُ القُدُسِ ( 3 ) ، وقيلَ : هو مَلَكٌ أَعْظَمُ من جبرائيلَ أو ميكائيلَ
كانَ مع رسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 4 ) ( وَلاَ الاِيمَنُ ) يَعني : مَعَالِمَ الإِيْمان من الشَّرائع .
* * *
هامش
( 1 ) يونس : 12 .
( 2 ) قرأه نافع وابن عامر . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 582 .
( 3 ) وهو قول الربيع كما في تفسير البغوي : ج 4 ص 132 وفيه ذكر " جبرئيل " بناءً على أنّ
" روح القدس " هو جبرئيل ( عليه السلام ) وهو مذهب العامّة .
( 4 ) وهو المروي عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أُنظر الكافي : ج 1 ص 273 باب الروح التي يمدد الله بها
الأئمّة ( عليهم السلام ) .