المجرمُونَ ، لأنَّ إصابةَ السيِّئةِ ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) لا يَستَقيمُ إِلاَّ فيهِم ، والمُرادُ
بالرَّحمةِ : النِّعمَةُ من الصَّحَّةِ والعافيةِ والغِنى والأَمْنِ ، وبالسيِّئةِ : البَلاءُ من القَحْطِ
والمَرَضِ والفَقْرِ والمَخَاوفِ ، وَالْكَفُورُ : البليغُ في الكُفْرانِ ، ولَمْ يَقُلْ : فإنَّه كَفُورٌ
لِيُسَجِّلَ على أَنَّ هذا الجنْسَ موسُومٌ بكُفرانِ النِّعَمِ كَمَا قَالَ : ( إِنَّ الاْنْسَنَ لَظَلُومٌ
كَفَّارٌ ) ( 1 ) ، ( إنَّ الاِنْسَنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) ( 2 ) أي : يَذْكُرُ البلاءَ ويَنْسَى النِّعَمَ .
ولمَّا ذَكَرَ سبحانَهُ إِذاقَةَ الإِنسانِ الرَّحْمةَ وإِصابَتَهُ بِضدِّها عَقَّبَ ذلكَ بأنَّ لَهُ
( مُلْكُ الْسَّموَتِ وَالاَْرضِ ) وأَنَّه يُقَسِّمُ كيفَ شَاءَ النعمةَ والبلاءَ ، و ( يَهَبُ ) كيفَ
أَرادَ لعبادِهِ الأَولادَ فَيَخُصُّ بعضَهُم بِالإِنَاثِ ، وبعضَهُم بالذُّكُورِ ، وبعضَهُم بالصِّنْفَيْنِ
جَميعاً ، ويعْقِمُ منْهُم مَنْ يشاءُ فَلاَ يَهَبُ لَهُ ولداً .
( وَمَا كَانَ لِبَشر ) وما صَحَّ لأَحَد من البَشَرِ ( أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ ) إلاَّ على أَحَدِ
ثلاثةِ أَوْجُه : إِمَّا على طريقِ الوَحْي وهو الإِلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ أو المَنَامُ ، كَمَا
أَوحَى إلى أُمِّ موسى ، وإلى إبراهيمَ في ذَبْحِ وَلَدِهِ ، وأوحَى إلى داودَ الزَّبُورَ في
صَدْرِهِ ، وإمَّا أَن يُسْمِعَهُ كلامَهُ الَّذي يحدِثُهُ في بعضِ الأَجْرامِ من غَيْرِ أَن يَبْصُرَ
السَّامِعُ مَنْ يُكَلِّمُهُ ، لأنَّه في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئيٍّ ، وقَولُهُ : ( مِن وَرَآءِ حِجَاب ) مَثَلٌ أي :
كَمَا يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجبُ بَعْضَ خَواصِّهِ وهو مِن وَراءِ حِجَاب فَيَسْمَعُ صوتَهُ ولا
يَرى شَخْصَهُ ، وذلك كَمَا كَلَّمَ سبحانَهُ مُوسى ويُكلِّمُ الملائكةَ ، وإمَّا على أَن يُرسِلَ
إليهِ رسُولاً من الملائكةِ فَيُوحِي المَلَكُ إليهِ ، كَمَا كَلَّمَ غَيْرَ موسى من الأنبياءِ على
ألْسِنَتِهِم وقيلَ : ( وَحْياً ) كَمَا أوحَى إلَى الرُّسُلِ بواسطةِ المَلَكِ ، أَوْ يُرسِلَ رسُولاً نَبِيّاً
كَمَا كَلَّمَ أُمَمَ الأنبياءِ على أَلسنَتِهِم ( 3 ) ، و ( وَحَيْاً ) و " أنْ يُرْسِل " مَصْدرانِ وَقَعَا
مَوقِعَ الحالِ ، كَمَا يُقَالُ : جئْتُ رِكْضَاً ، و : أَتيتُ مشْياً ، لأنّ " أَن يُرسِلَ " في معنى
هامش
( 1 ) إبراهيم : 34 .
( 2 ) العاديات : 6 .
( 3 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 233 .