دَاعِيَ الحِكْمةِ إلى خَلْقِ السَّماءِ بَعدَ خَلقِ الأرْضِ وما فيهَا من غَيْرِ صَارِف يَصْرِفُهُ
عن ذلكَ .
ومعنى أَمْرِ السَّماءِ والأَرضِ بالإِتْيانِ ، وقَولِهِمَا : ( أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) أَنَّه أرادَ
تَكْوينَهُما وإِنْشائهُما فَلَمْ تَمتَنِعا عليهِ ووُجِدَتَا كَمَا أَرادَهُما ، وليسَ هناكَ أَمرٌ على
الحقيقةِ ولا جَوابٌ ، وهو من المَجَازِ الّذي يُسمَّى التَمثيلُ ، بمعنى : أَنَّهما كانَتَا
كالمأْمُورِ المُطيعِ إذا وُرِدَ عليه أَمْرُ الآمرِ المُطاعِ ، وَخَلَقَ سبحانَهُ جِرْمَ الأرضِ غَيْرَ
مدْحوَّة ، ثمَّ دَحَاهَا بعد خَلْقِ السَّماءِ ، كَمَا قَالَ : ( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا ) ( 1 )
فالمعنى : ائْتيا على ما يَنْبغي أَن تَأْتِيا من الشِّكْلِ والوَصْفِ : ائْتي يا أَرْضُ مَدْحُوَّةً
قراراً لسكّانِكَ ، وائْتِي يا سَمَاءُ سَقْفاً مَبْنِيَّاً عليهِم ، ومعنى الإِتْيانِ : الحُصُولُ
والوقُوعُ ، كَمَا يُقَالُ : أتى عَمَلُ فُلان مقْبُولاً ، وقَولُهُ : ( طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) مَثَلٌ للزُومِ
تَأْثيرِ قدرتِهِ فيهما ، وانتصابُهُما على الحالِ ، أي : طائِعَتَيْنِ أو مُكْرَهَتَيْنِ ، ولمَّا
خُوْطِبْنَ جُعِلْنَ مُجيبات ووُصِفْنَ بالطَوْعِ والكُرْهِ ، وقيلَ : " طائِعِينَ " في موضع
" طائعات " ( 2 ) نَحوُ قَولِهِ : ( كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ ) ( 3 ) ، ( رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) ( 4 ) .
( فَقَضَاهُنَّ ) يجوزُ أن يَرجعَ الضَّميرُ فيهِ إلى ( السَّمَآء ) على المعنى ، ويجوزُ
أَن يكُونَ ضَميراً مُبْهَماً مُفَسَّراً ب ( سَبْع سَمَوَات ) ، والفرقُ بينَهما أنّ " سَبْع
سماوات " على الوجْهِ الأوَّلِ نَصْبٌ على الحالِ ، وفي الثَّاني نَصْبٌ على التَّمييزِ
( وَأوْحَى ) أي : خَلَقَ أَوامِرَ ( فِي كُلِّ سَمَآء أَمْرَهَا ) ما أَمَرَ بهِ فيها ودَ بَّرَهُ مِنْ خَلْقِ
الملائكةِ والنيِّراتِ وغيرِ ذلكَ ، أو : شَأْنَها وما يُصْلِحُها ( وَزَيَّنَّا الْسَّمَاءَ الْدُّنْيَا
هامش
( 1 ) النازعات : 30 .
( 2 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 4 ص 381 .
( 3 ) الأنبياء : 33 ، يس : 40 .
( 4 ) يوسف : 4 .