والفائِدةُ في زيادةِ " مِنْ " في قَولِهِ : ( وَمِنْ بَينِنَا ) أَنَّه لو قَالَ : " وبَينَنا وبينَكَ
حِجَابٌ " لكانَ المعنى : أنَّ حِجَاباً حَاصِلٌ وَسطَ الجِهَتَيْنِ ، ومعنى ( مِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ
حِجَابٌ ) : أَنَّ الحِجَابَ ابتدَاءٌ منَّا وابتِدَاءٌ منكَ . فالمَسَافَةُ المتوسطةُ بجهتِكَ وجهتِنَا
مستَوعَبَةٌ بالحِجَابِ لا فَرَاغ فيها .
وقَولُهُ : ( إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) جَوابٌ لقولِهِم : ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة ) لأنَّ المعنى :
إنِّي لَسْتُ بِمَلَك وإنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم وَقَد أُوْحِيَ ( إِلَىَّ ) دُونَكُم ، وإذا صَحَّتْ
بالوَحْي نُبوَّتي وَجَبَ عليكُمْ اتِّباعِي ( فَاسْتَقِيمُواْ ) فَاسْتَووا ( إليْهِ ) بالتوحيدِ
وإخْلاصِ العبادةِ ( وَاسْتَغْفِرُوهُ ) من الشِّرْكِ .
وَخَصَّ من أَوصافِ المشركينَ مَنْعَ الزَّكَاةِ مقْروناً بالكُفْر بالآخرةِ ، لأنَّ أَحَبَّ
الأشياءِ إلى الإِنسانِ مالُهُ ، فإذا بَذَلَهُ للهِِ دَلَّ ذلكَ على ثَباتِهِ في الدِّينِ وَصِدْقِ نِيَّتِهِ ،
وفيهِ حَثٌّ شَديدٌ على أداءِ الزَّكاةِ ، وتَخْويفُ مَنْ مَنَعَهَا ، حَيثُ جَعَلَهُ مقْروناً بالكُفْرِ
بالآخرةِ . ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون ) أي : غَيرُ مقْطُوع بَلْ هو مُتَّصِلٌ دائِمٌ ، أو : هو
خَالِصٌ من المنَّة .
( قُلْ أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأْرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَندَادًا ذَا لِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا
وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأْرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا
طَآئِعِينَ ( 11 ) فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآء
أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَا لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ( 12 ) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِّثْلَ صَعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ ( 13 )
إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ قَالُواْ
تفسير جوامع الجامع — صفحة 259
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٥٩