أنَّ الحِكْمَةَ الحَقيقيةِ والعِلْمَ الأصليَّ هو العَمَلُ بما هُو عبادةُ اللهِ والشُّكْرُ لَه ، حيثُ
فَسَّرَ إيتاءَ الحِكْمَةِ بالبَعْثِ علَى الشُّكْرِ ( فَإنَّ الله غِنِىٌّ ) لا يَحتَاجُ إلَى الشُّكْرِ
( حَمِيدٌ ) حَقِيقٌ بأَنْ يُحْمَدَ وإِنْ لَمْ يَحمدْهُ أَحَد .
وقُرئ : ( يَبُنَىَّ ) بفَتح الياءِ وكَسْرِها ( 1 ) كُلَّ القُرآنِ ، و " يا بُنَيْ " ( 2 ) ، ومَنْ كَسَرَ
فَهُو على قَولِكَ : يا غُلامِ أقبِلْ ، وَمَنْ فَتَحَ على قَولِكَ : يا غُلاما ، أُبدِلَتِ الألفُ من يَاءِ
الإِضَافَةِ ثم حُذِفَتِ الألفُ للتَّخفيفِ ، وَمَنْ أَسْكَنَ الياءَ في الوَصْلِ فإنَّه أَجْرَى الوَصلِ
مَجْرَى الوَقْفِ ( إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لأنَّ التَسْويةَ بينَ مَنْ لا نِعْمةَ إلاَّ هِيَ مِنْهُ
وبَينَ مَنْ لاَ نِعْمةَ منه البتَّة ولا يُتصوَّرُ أَن يكونَ مِنْهُ نِعْمةٌ ظُلْمٌ لا يُحَاطُ بِكُنْهِه .
( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ ) تَهِنُ ( وَهْناً عَلَى وَهْن ) وهُوَ مِثْلُ قَولِكَ : رَجَعَ عَوداً على بدء .
وهُوَ في مَوضِعِ الحَالِ ، أي : يَتَزَايَدُ ضَعْفُها وَيَتَضَاعَفُ ، لأنَّ الحَمْلَ كلَّما عَظُمَ
ازدَادَتِ المرأةُ ثُقْلا وَضَعْفاً ( أَنِ اشْكُرْ ) تَفْسيرٌ ل ( وَصَّيْنَا ) .
( مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أَرادَ بنَفْي العِلْمِ بِهِ نَفْيَهُ ، أي : لا تُشْرِكْ بِيِ مَا لَيسَ بِشَيء ،
كَقَولِهِ : ( مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْء ) ( 3 ) . ( مَعْرُوفاً ) أَي : صحَاباً مَعرُوفاً حَسنَاً
بخُلُق جَميل واحتمال وبِرٍّ وصِلَة وما تَقتَضيه المُروَّةُ ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَىَّ )
مِنَ المؤمنينَ في دينِكَ ، ولا تَتَّبِعْهُما في دينِهِما وإنْ أُمِرْتَ بِحُسْنِ مُصَاحَبتِهِما
( فِي الدُّنْيَا ) ، ( ثُمَّ إِلَىَّ ) مَرْجِعُكَ وَمرجِعُهُمَا فأُجَازيهِما على كُفْرِهِما وأُجازِيكَ
على إيمانِك . وهذا كَلامٌ وَقَعَ في أثناءِ وَصيَّةِ لُقْمانَ على سَبيلِ الاستطراد ، تَأكيداً
لِمَا في وَصيَّةِ لُقْمانَ من النَّهْي عن الشِّرْك .
وَلَمَّا وَصَّى بالوالدَيْنِ ذَكَرَ ما تُقَاسِيهِ الأُمُّ من المَشَاقِّ في مُدَّةِ الحَمْلِ والفِصَالِ ؛
هامش
( 1 ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم . راجع كتاب السبعة
في القراءات لابن مجاهد : ص 513 .
( 2 ) وهي قراءة ابن كثير . راجع المصدر السابق .
( 3 ) العنكبوت : 42 .