تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
* ( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) * . وهذا الخبر من الله يدل على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه ، وتوعدته بالسجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه ، فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك لأنها لو لم تكن عاودته وتوعدته بذلك ، كان محالا أن يقول : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وهو لا يدعى إلى شئ ولا يخوف بحبس . والسجن هو الحبس نفسه ، وهو بيت الحبس . وبكسر السين قرأه قراء الأمصار كلها ، والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال فتقول : طلعت الشمس مطلعا ، وغربت مغربا ، فيجعلونها وهي أسماء خلفا من المصادر ، فكذلك السجن ، فإذا فتحت السين من السجن كان مصدرا صحيحا . وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرؤه : السجن أحب إلي بفتح السين . ولا أستجيز القراءة بذلك لاجماع الحجة من القراء على خلافها . وتأويل الكلام : قال يوسف : يا رب الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من معصيتك ويراودنني عليه من الفاحشة . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه : من الزنا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف ، وأضاف إلى ربه واستعانه على منزل به : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه : أي السجن أحب إلي من أن آتي ما تكره . وقوله : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن يقول : وإن لم تدفع عني يا رب فعلهن الذي يفعلن بي في مراودتهن إياي على أنفسهن أصب إليهن ، يقول : أميل إليهن ، وأتابعهن على ما يردن مني ، ويهوين من قول القائل : صبا فلان إلى كذا ومنه قول الشاعر : إلى هند صبا قلبي * وهند مثلها يصبي
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 276 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار