. واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ما جئتم به
السحر على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون أنه سحر كأن معنى
الكلام على تأويلهم ، قال موسى : الذي جئتم به أيها السحرة هو السحر . وقرأ ذلك مجاهد
وبعض المدنيين البصريين : ما جئتم به السحر على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة
عما جاءوا به ، أسحر هو أم غيره ؟
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على
الاستفهام ، لان موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكا فيما جاءت به السحرة أنه
سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أي شئ هو ، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد
كان على علم من السحرة ، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق
الذي كان الله آتاه ، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدقونه في الخبر عما جاءوا به من
الباطل ، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم
ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحق الذي أتاه ومبطل كيدهم بجده ، وهذه أولى بصفة
رسول الله ( ص ) من الآخرى .
فإن قال قائل : فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الامر على ما وصفت
وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا : ما جاءني به عمرو درهم ، والذي
أعطاني أخوك دينار ، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم ، وما جاءني به
عمرو الدينار ؟ قيل له : بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان
الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب ، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا
بالألف واللام ، لان الخبر حينئذ خبر عن شئ بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك
بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شئ بعينه ، فحينئذ لا
تدخل الألف واللام في الخبر ، وخبر موسى كان خبرا عن معروف عنده وعند السحرة ،
وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه
ونبوته إلى أنه سحر ، فقال لهم موسى : السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها
السحرة ، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا . ثم أخبرهم أن الله سيبطله . فقال : إن
الله سيبطله يقول : سيذهب به ، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حولها
ثعبانا يتلقفه حتى لم يبق منه شئ . إن الله لا يصلح عمل المفسدين يعني : أنه لا يصلح
عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه . وقد ذكر أن ذلك في قراءة
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 192
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٩٢