تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
لتأويل من تأول ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الامام فقد انقضت صلاتها ، لقوله : * ( فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) * لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل ، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات . وإذ كان لا وجه لذلك ، فقول من قال : أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبي ( ص ) بعسفان أبعد ، وذلك أن الله جل ثناؤه يقول : * ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) * وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبي ( ص ) ركعته الأولى في صلاته بعسفان ، ومحال أن تكون التي صلت مع النبي ( ص ) هي التي لم تصل معه . فإن ظن ظان أنه أريد بقوله : * ( لم يصلوا ) * : لم يسجدوا ، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة ، وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له . وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عز ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الامام من بقية صلاته ، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر ، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى . غير أن الامر وإن كان كذلك ، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ( ص ) أنه صلاها ، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الاخبار بكل ذلك عن رسول الله ( ص ) ، وأنه من الأمور التي علم رسول الله ( ص ) أمته ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاءوا . وأما قوله : * ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ) * فإنه يعني : تمنى الذين كفروا بالله ، لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، يقول : لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها ، وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها . * ( فيميلون عليكم ميلة واحدة ) * يقول : فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة ، فيصيبون منكم غرة بذلك فيقتلونكم ، ويستبيحون عسكركم . يقول جل ثناؤه : فلا تفعلوا ذلك بعد هذا ، فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدو ، فتمكنوا عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم ، وخذوا من عدوكم حذركم وأسلحتكم .