تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
تصرفها لا صفة تصريفها ، لان تصريفها تصريف الله لها ، وتصرفها اختلاف هبوبها . وقد يجوز أن يكون معنى قوله : وتصريف الرياح تصريف الله تعالى ذكره هبوب الرياح باختلاف مهابها . القول في تأويل قوله تعالى : والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون . يعني تعالى ذكره بقوله والسحاب المسخر وفي السحاب جمع سحابة ، يدل على ذلك قوله تعالى ذكره : وينشئ السحاب الثقال فوحد المسخر وذكره ، كما قال : هذه تمر وهذا تمر كثير في جمعه ، وهذه نخلة وهذا نخل . وإنما قيل للسحاب سحاب إن شاء الله لجر بعضه بعضا وسحبه إياه ، من قول القائل : مر فلان يجر ذيله : يعني يسحبه . فأما معنى قوله : لآيات فإنه علامات ودلالات على أن خالق ذلك كله ومنشئه إله واحد ، لقوم يعقلون لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن الله أدلته على وحدانيته . فأعلم تعالى ذكره عباده بأن الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرا لذوي العقول والتمييز دون غيرهم من الخلق ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي ، والمكلفين بالطاعة والعبادة ، ولهم الثواب وعليهم العقاب . فإن قال قائل : وكيف احتج على أهل الكفر بقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار الآية في توحيد الله ، وقد علمت أن أصنافا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السماوات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقة ؟ قيل : إن إنكار من أنكر ذلك غير دافع أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية دليلا على خالقه وصانعه ، وأن له مدبرا لا يشبهه ( شئ ) ، وبارئا لا مثل له . وذلك وإن كان كذلك ، فإن الله إنما حاج بذلك قوما كانوا مقرين بأن الله خالقهم ، غير أنهم يشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان فحاجهم تعالى ذكره فقال إذ أنكروا قوله : وإلهكم إله واحد وزعموا أن له شركاء من الآلهة : إن إلهكم الذي خلق السماوات ، وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما ، وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر ، وذلك هو معنى قوله : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وأنزل إليكم الغيث
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 89 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار