تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
إليه ، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، الذين قصصت عليكم قصتهم ، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري وحل بهم قضائي ، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه إذ دافعت عنهم مناياهم ، وصرفتها عن حوبائهم ( 1 ) ، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني ، فإن من حيي منكم فأنا أحييه ، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله ، ثم قال تعالى ذكره لهم : واعلموا أيها المؤمنون أن ربكم سميع لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي : لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا ، عليهم بما تخفيه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي . يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين : فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي ، وغير ذلك من أمري ونهيي ، إذ كفر هؤلاء نعمي ، واعلموا أن الله سميع لقولهم وعليهم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الايمان والكفر والطاعة والمعصية محيط بذلك كله ، حتى أجازي كلا بعمله ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . ولا وجه لقول من زعم أن قوله : ( وقاتلوا في سبيل الله ) أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعد ما أحياهم ، لان قوله : ( وقالوا في سبيل الله ) لا يخلوا إن كان الامر على ما تأولوا من أحد أمور ثلاثة : إما أن يكون عطفا على قوله : ( فقال لهم الله موتوا ) وذلك من المحال أن يميتهم ويأمرهم وهمه موتى بالقتال في سبيله . أو يكون عطفا على قوله : ( ثم أحياهم ) وذلك أيضا مما لا معنى له ، لان قوله : ( وقاتلوا في سبيل الله أمر من الله بالقتال ، وقوله : ( ثم أحياهم ) خبر عن فعل قد مضي ، وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض لو كانا جميعا خبرين لاختلاف معنييهما ، فكيف عطف الامر على خبر ماض ؟ أو يكون معناه : ثم أحياهم ، وقال لهم : قاتلوا في سبيل الله ، ثم أسقط القول ، كما قال تعالى ذكره : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ) ( 2 ) بمعنى : يقولون : ربنا أبصرنا وسمعنا . وذلك أيضا إنما يجوز في الموضوع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر ، فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه ، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها . القوم في تأويل قوله تعالى :