تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 800

مساهمون:

ص٨٠٠
الموت ) فرارهم من أوطانهم ، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة ، وبالموئل النجاة من المنية ، حتى أتاهم أمر الله ، فتركهم جميعا خمودا صرعى وفي الأرض هلكى ، ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء . القول في تأويل قوله تعالى : ( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) . يعني تعالى ذكره بذلك : أن الله لذو فضل ومن على خلقه بتبصيره إياهم سبيل الهدى وتحذيره لهم طرق الردي ، وغير ذلك من نعمه التي ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم وأنفسهم وأموالهم . كما أحياء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يعظمون بهم عبرة يعتبرون بهم . وليعلموا أن الأمور كلها بيده ، فيستسلمون لقضائه ، ويصرفون الرغبة كلها والرهبة إليه . ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة ويمن عليه بمننه الجسيمة ، يكفر به ، ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره ، ويتخذ إلها من دونه ، كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه ومن الحمد ما يثقله ، فقال تعالى ذكره : ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ، يقول : لا يشكرون نعمي التي أنعمتها عليهم وفضلي الذي تفضلت به عليهم ، بعبادتهم غيري وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني ، ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا . القول في تأويل قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليهم ( 244 ) ) يعني تعالى ذكره بذلك : ( وقاتلوا ) أيها المؤمنون ( في سبيل الله ) يعني في دينه الذي هداكم له ، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم ، الصادين عن سبيل ربكم ، ولا تجبنوا عن لقائهم ، ولا تقعدوا عن حربهم ، فإن بيدي حياتكم وموتكم ، ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت ، وخوف المنية على نفسه بقتالهم ، فيدعوه ذلك إلى التعريد ( 1 ) عنهم ، والفرار منهم ، فتذلوا ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم ( 2 )