فلولا ما أخبرتك به من مخالطته لهم ، وإخفاء دينه عنهم لما قدر على
مثل هذه الأفعال التي قام بها الدين ، وأدحضت كلمة الكافرين .
مثل مؤمن قريش كمثل مؤمن آل فرعون :
ثم لم يزل أهل الايمان ، وذوو البصائر كالأنبياء ( ع ) والصالحين
يكتمون إيمانهم من قومهم وعشائرهم لاقتضاء المصلحة كمؤمن آل فرعون
الذي قص الله تعالى قصته في كتابه ، فقال عز وجل : ( وقال رجل مؤمن
من آل فرعون يكتم ايمانه ، أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله ، وقد جاءكم
بالبينات من ربكم وان يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم
بعض الذي يعدكم ، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ( 1 ) .
فإن كان أبو طالب بكتمان إيمانه ، وإخفاء اسلامه كفر ، فكذلك
هذا الذي قد سماه الله في كتابه مؤمنا " ، ثم شهد عليه أنه يكتم إيمانه قد
كفر بكتمان إيمانه إذ كان كتمانه الايمان هداية ، وهذا مؤمن آل فرعون
كانت حاله مع قومه كحال أبي طالب - رضي الله عنه - مع قريش
فإنه ( 2 ) كان يخفى عنهم حاله ، ويدخل معهم بيوت متعبداتهم ، ويقسم
بمعبودهم ، ويأكل من مأكولهم ، ويشرب من مشروبهم ، حتى تم له ما
كان يسره من التوحيد بالله تعالى ، ولم يعلموا بحاله حتى جاءهم موسى
عليه السلام فقال : ( أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات
من ربكم ) ثم قدم لهم ( وإن يك كاذبا " فعليه كذبه ) حتى يخفى عليهم
موضع عنايته به ولم يقل وهو صادق ، وإنما قال ( وإن يك صادقا )
هامش
( 1 ) غافر : 28 .
( 2 ) في ص : ( لأنه ) .