عن المثنى بن سعيد رده إلى أبي العالية قال : قال العباس ، ويل للاتباع من
عثرات العالم . قيل له : كيف ذلك ؟ قال : يقول العالم من قبل رأيه ،
ثم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ به ، وتمضي الاتباع بما سمعت .
قال حماد بن زيد : حدثنا النعمان بن راشد قال : كان الزهري ربما أملى علي حتى
إذا جاء الرأي ووقفته عليه فأكتبه فيقول : اكتب إنه رأي ابن شهاب ، وإنه
لعلك أن يبلغك الشئ فيقول ما قاله ابن شهاب إلا بأثر ، فليعلم أنه رأيي .
قال أبو محمد : لم يدعا رضي الله عنهما من البيان شيئا إلا أتيا به ، فأعلمك
ابن عباس أن كاتب رأي العالم والآخذ به له الويل ، وأن العالم يقول برأيه : وأنه
يلزمه ترك ذلك الرأي إذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ، وأعلمك الزهري أنه
يقول برأيه ، وينهاك عن أن تقول فيما أتاك عنه : إنه لم يقله إلا بأثر ، وهكذا
يفعل هؤلاء الجهال فإنهم يقولون : لم يقل هذا مالك وفلان وفلان إلا بعلم كان عندهم
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم ويحكمون بالظن ويتركون اليقين ،
نعوذ بالله من الخذلان .
واحتج بعضهم في إثبات التقليد بغريبة جروا فيها على عادتهم في الاحتجاج
بكل ما جرى على أفواههم ، وذلك الحديث الذي فيه : إن ابني كان عسيفا على هذا
قالوا فقد كان الناس يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي .
قال أبو محمد : وهذا أعظم حجة عليهم في إبطال التقليد ، لان المفتين اختلفوا
في تلك المسألة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، فأفتى بعضهم على الزاني غير المحصن
بالرجم ، وأفتى بعضهم عليه بجلد مائة وتغريب عام ، فكان هذا التنازع لما وقع
قد وجب فيه الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فرد الامر إليه فحكم بالحق
وأبطل الباطل . وهكذا الامر الآن ، قد اختلف المفتون حتى الآن في تلك
المسألة بعينها فقال أبو حنيفة : عليه الجلد ولا تغريب عليه حرا كان أو عبدا ،
وقال مالك : عليه الجلد والتغريب إلا أن يكون عبدا ، وقلنا نحن وأصحاب
الشافعي : عليه الجلد والتغريب على العموم ، عبدا كان أو غير عبد ، فوجب أن
يرد هذا التنازع الذي بيننا إلى القرآن والسنة ، فوجدنا نص السنة يشهد لقولنا
فوجب الانقياد له ، فهذا الحديث يبطل التقليد جملة ، ونحن لم ننكر فتيا العلماء
الاحكام — صفحة 824
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٤