الفتنة إذا أفتي بما أفتي ، ولا فرق بينه وبين الحي في هذا ، هذا على أن بعض من
يخالفنا في التقليد عكس هذا الامر برأيه ، وهو المعروف بالباقلاني قال : من
قلد فلا يقلد إلا الحي ، ولا يجوز تقليد الميت . فكان هذا طريقا من الضلالة
جدا ، لأنه دعوى فاسدة بلا برهان ، وقول ، مع سخفه ، ما نعلم قاله قبله أحد .
أخبرني أحمد بن عمر العذري ، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البلوي غندر ، ثنا
خلف بن قاسم ، ثنا ابن الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي ،
ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النضري الدمشقي ، ثنا أبو مسهر ، ثنا سعيد بن
عبد العزيز ، عن إسماعيل بن عبيد الله ، عن السائب بن زيد بن أخت نمر أنه سمع
عمر بن الخطاب يقول : إن حديثكم شر الحديث . إن كلامكم شر الكلام .
فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل : قال فلان وقال فلان ، ويترك كتاب الله ،
من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس . فهذا قول عمر لافضل قرن
على ظهر الأرض ، فكيف لو أدرك ما نحن فيه من ترك القرآن وكلام محمد
صلى الله عليه وسلم ، والاقبال على ما قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحسبنا الله ونعم
الوكيل ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
واحتج بعضهم في ذلك بقبول قول المقومين لأثمان المتلفات ، والشهادة على
أمثالها ، وهذا من باب الشهادة والخبر لا من باب التقليد ، لان الله عز وجل
قد أمرنا بالانتصاف من المعتدي بمثل ما اعتدى فيه ، فلم نأخذ عن الشاهد ، بأن
هذا الشئ مماثل لقيمة كذا ، شريعة حرمها الله ولا أوجبها ، ولكنا علمناه عالما
بتلك السلعة أو تلك الجرحة ، فقبلنا شهادته في ذلك على الظالم ، وليس هذا من
باب ، قال مالك وأبو حنيفة : هذا حرام وهذا واجب وهذا مباح ، فيما لا نص
فيه ولا إجماع ، وقد أمرنا بالشهادة على الحقوق ، وبقبولها وبالحكم بها ، وكل ما أمرنا
به فليس تقليدا ، فينبغي لمن اتقى الله عز وجل ألا يلبس على المؤمنين ، فليس
في كتمان العلم وتحريف الكلم عن مواضعه ، أشد ولا أضر من أن يضل المرء
جليسه ، الذي أحسن الظن به ، وقعد إليه ليعلمه دين الله عز وجل ، يسمي له
باسم التقليد المحرم شريعة حق ، ثم يدس له معها التقليد المحرم ، فيكون كمن دس
السم في العسل ، والبنج في الكعك ، فيتحمل إثمه وإثم من اتبعه إلى يوم القيامة .
الاحكام — صفحة 822
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٢