وكذلك سائر الصحابة رضي الله عنهم ، كإنكار ابن عباس على عروة وغير
معارضة حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر وعمر ، وكإنكار عمران بن الحصين ، إذ
ذكر حديث الحياء ، على من عارضه بما كتب في الحكمة ، وكقول أبي هريرة : إذا
حدثتك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال ، في حديث الوضوء مما مست
النار . ووجدنا ابن عباس لم ينكر على عكرمة مخالفته له في الذبيح ، ولم ينكر
أبو هريرة على من خالفه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في إفطار من أصبح جنبا ،
وجميعهم رضي الله عنهم على هذا السبيل ، لا ينكر على من يخالفه في فتياه ، وينكر
على من خالف روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أشد الانكار .
ولكن أصحابنا - يغفر الله لهم ويسددهم - أضربوا على الواجب عليهم من تدبر
أحكام القرآن ، ورواية أخبار النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف العلماء ، ومعرفة مراتب
الاستدلال المفرق بين الحق والباطل ، وأقبلوا على ظلمات بعضها فوق بعض من
قراءة طروس معكمة مملوءة من ، قلت : أرأيت ؟ فقنعوا بجوابات لا دلائل عليها
وأفنوا في ذلك أعمارهم ، فصفرت أيديهم من معرفة الحقائق ، وظلموا من اغتر
بهم ، والأقل منهم شغلوا أنفسهم في أنواع القياس وتخصيص العلل ، واستخراج
علل لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله ، ولا يقوم على صحتها برهان فقطعوا أيامهم
بالترهات ، ولو اعتنوا بما ألزمهم الله تعالى الاعتناء به ، من تدبر القرآن ، وتتبع
سنن النبي صلى الله عليه وسلم ، لاستناروا واهتدوا ، ولاستحقوا بذلك الفوز والسبق ،
وما توفيقنا إلا بالله تعالى .
وقد قال بعض من قوي جهله وضعف عقله ورق دينه : إذا اختلف العالمان
وتعلق أحدهما بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو آية ، وأتى الآخر بقول يخالف ذلك
الحديث وتلك الآية . فواجب اتباع من خالف الحديث ، لأننا مأمورون بتوقيرهم
ونحن عالمون أن هذا العالم لو تعمد خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان كافرا أو فاسقا ،
وفي براءته من ذلك ما يوجب أنه كان عنده علم يوجب ترك ذلك الحديث ،
ورفع حكم تلك الآية ، لم يكن عند القائل بهما ، وبهذا يوصل إلى توقير جميعهم .
قال أبو محمد : وهذا القول في غاية الفساد من وجوه : أحدهما أن قائل هذا
من أي المذاهب كان ، أترك الناس لهذا الأصل ، ويلزمه أن يبيح بيع الخمر تقليدا
الاحكام — صفحة 827
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٧