التحيات ، إذ ذكر النار ، أورده مسلم في كتاب الزكاة ، وحياءه صلى الله عليه وسلم من
الأنصارية المستفتية في غسل المحيض ، ووصفه الجبة التي على البخيل إذا أراد أن
يتصدق ، وإشارته على كعب بن مالك بيده في إسقاط النصف من دينه على ابن
أبي حدرد ، وتعجبه بنظره وهيئة وجهه من العباس إذ احتمل المال الكثير دون
أن يكون منه صلى الله عليه وسلم في ذلك كلام ، وضربه صلى الله عليه وسلم بعود في يده بين
الماء والطين في حديث أبي موسى ، ومثل هذا كثير جدا .
فلم يكن له صلى الله عليه وسلم هيئة ولا حال يوجب حكما من كراهة أو نهي أو إباحة
أو ندب أو أمر ، إلا وقد نقلت إلينا ، لان كل ذلك مما بين به صلى الله عليه وسلم مراد
ربه تعالى ، ولو كتموا ذلك عنا لما بلغوا كما لزمهم ، ولو اقتصروا على تبليغ
بعض ذلك دون بعض لدخلوا في جملة من يكتم العلم ، ولسقطت عدالتهم بذلك ،
وقد نزههم الله تعالى عن هذا وحفظ دينه ، وقضى بتبليغه إلينا جيلا بعد جيل
إلى أن يأتي بعض آيات ربك : * ( يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل
أو كسبت في إيمانها خيرا ) * .
وقد علموا رضي الله عنهم أن فتاويهم لا تلزمنا ، وإنما يلزمنا قبول ما نقلوا
إلينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، وقد خالف بعض التابعين الصحابة بحضرتهم ، فما أنكر
الصحابة عليهم ذلك ، كما أنكروا عليهم مخالفة ما رووه ، كفعل ابن عمر في
ابنه ، إذ روى حديث الخذف ، وحديث النهي عن منع النساء إلى المساجد ،
فقال ابنه : لا تفعل ذلك ، فأنكر ابن عمر ذلك إنكارا شديدا وكان
لا ينكر على من خالفه في فتياه .
الاحكام — صفحة 826
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٦