وقد قال بعض أهل الجهل : لو كلفنا النظر لضاعت أمورنا .
قال أبو محمد : وهذا كلام فاسد من وجوه :
أحدها : أنه يقال له : بل لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا ، لأننا لم نكن
ندري من نقلد من الفقهاء المفتين ، وهم دون الصحابة أزيد من مائتي رجل معروفة
أسماؤهم . وفي الحقيقة لا يدري عددهم إلا الله تعالى ، إذ بالضرورة ندري أنه قد
كان في كل قرية كبيرة للمسلمين مفت ، وفي كل مدينة من مدائنهم عدة من المفتين ،
والمسلمون قد ملؤوا الأرض من السند إلى آخر الأندلس وسواحل البربر ، ومن
سواحل اليمن إلى ثغور أذربيجان وإرمينية ، فما بين ذلك ، والحمد لله رب العالمين .
وأيضا فإن النظر به صلاح الأمور لا ضياعها ، وأيضا فإن كل امرئ منا
مكلف أن يعرف ما يخصه من أمر دينه على ما بينا قبل ، مما يجب على كل أحد من
معرفة أحكام صلاته وصيامه ، وما يلزمه وما يحرم عليه ، وما هو مباح له وهذا
هو النظر نفسه ، ليس النظر شيئا غير تعريف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم
في هذه اللوازم لنا ، ولو كلفنا الله تعالى إضاعة أمورنا للزمنا ذلك ، كما لزم
بني إسرائيل قتل أنفسهم إذا أمروا بذلك ، وهذا أعظم من إضاعة الأمور ،
وقد أمرنا بهرق الخمور ، وطرح الجيف ، ورمي السمن الذائب يموت فيه الفأر ،
وحرم علينا الربا ، وفي هذا كله إضاعة أموال عظيمة لها قيم كثيرة لو أبيحت
لكانت من أنفس المكاسب ، وأوفرها ، فكيف وليس في النظر إضاعة أمر
بل فيه حفظ كل شئ وتوفية كل الأمور حقها . ولله الحمد .
وقد صح عن الصحابة أنهم قالوا بآرائهم ، صح ذلك عن أبي بكر وابن مسعود
وعمر وعلي وغيرهم ، وكلهم يقول : أقول في هذا برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله ،
وإن كان خطأ فمني ، وزاد بعضهم ، ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان ، وفعل
ذلك أيضا من بعدهم ، فإذا صح ذلك صح أنهم تبرؤوا من ذلك الرأي ، ولم يروه على
الناس دينا ، فحرام على كل من بعدهم أن يأخذ من فتاويهم بشئ يتدين به ،
إلا أن يصح به نص عن الله تعالى ، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ، نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي ، نا أحمد بن
خالد ، ثنا أبو علي الحسن بن أحمد قال : حدثني محمد بن عبيد بن حساب ، نا حماد بن زيد
الاحكام — صفحة 823
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٣