للمستفتين ، وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها برهان يعضدها ، ودون رد لها إلى
نص القرآن والسنة ، لان ذلك يوجب الاخذ بالخطأ ، وإذا كان في عصره صلى الله عليه وسلم
من يفتي بالباطل فهم من بعد موته صلى الله عليه وسلم أكثر وأفشى ، فوجب بذلك ضرورة
أن نتحفظ من فتيا كل مفت ، ما لم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والاجماع .
واحتجوا أيضا فقالوا : إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا أسباب الأوامر
منه صلى الله عليه وسلم ، وما خرج منها على رضا ، وما خرج منها على غضب ، فوجب
اتباعهم في فتاويهم لذلك .
قال أبو محمد : فيقال لهم وبالله التوفيق : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مبينا
على كل من يأتي إلى يوم القيامة ، لا على أصحابه وحدهم ، فكل سبب من غضب
أو رضى يوجب حكما فقد نقلوه إلينا ، ولزمهم أن يبلغوه فرضا بقوله عليه
السلام : ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فقد نقلوا كل
ما شهدوه من ذلك إذا لم يكونوا في سعة من كتمانه ، وقد أعاذهم الله من ذلك ،
ولو كتموا شيئا مما يوجب حكما في الشريعة ، مما سمعوا أو مما شاهدوا ، لاستحقوا
أقبح الصفات ، وقد أعاذهم الله من ذلك ونزههم عنه ، فلم يقتصروا رضي الله عنهم
على فتاويهم دون تبليغ منهم لما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم وشاهدوه منه ، كما نقلوا
إلينا غضبه على الأنصاري الذي أراد أن يقول بالخصوص في قبلة الصائم ، وغضبه
على معاذ في تطويله الصلاة إذا كان إماما ، وغضبه على من تنزه عما فعل صلى الله عليه وسلم ،
وغضبه على اليهود إذ قال : والذي اصطفى موسى على البشر ، وإعراضه عن عمار
إذ تخلق ، وعن عائشة وفاطمة إذ علقتا السترين المزينين ، وسروره بقول مجزز
المدلجي في أسامة بن زيد ، وسروره باجتماع الصدقة بين يديه إذ أمر بالصدقة
إذ أتاه القوم المجتابون للنمار ، وإشاحته بوجهه المكرم ، صلى الله عليه وسلم وأفضل
الاحكام — صفحة 825
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٥