نعم حتى لقد أداهم هذا الأصل الفاسد إلا أن حكموا في أشياء كثيرة بالتهمة
التي لا تحل ، فأبطلوا شهادة العدول لآبائهم وأبنائهم ونسائهم وأصدقائهم تهمة
لهم بشهادة الزور والحيف . والحكم بالتهمة حرام لا يحل ، لأنه حكم بالظن ، وقد
قال تعالى عائبا لقوم قطعوا بظنونهم فقال تعالى : * ( وظننتم ظن السوء وكنتم قوما
بورا ) * وقال تعالى عائبا قوما قالوا : * ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) * وقال
تعالى : * ( وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) *
وقال تعالى : * ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) * .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظن أكذب الحديث .
قال أبو محمد : فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشئ خوف
ذريعة إلى ما لم يكن بعد ، فقد حكم بالظن ، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب
والباطل ، وهذا لا يحل وهو حكم بالهوى ، وتجنب للحق نعوذ بالله من كل مذهب
أدى إلى هذا ، مع أن هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض ، لأنه ليس
أحد أولى بالتهمة من أحد ، وإذا حرم شيئا حلالا خوف تذرع إلى حر فليخص
الرجال خوف أن يزنوا ، وليقتل الناس خوف أن يكفروا ، وليقطع الأعناب
خوف أن يعمل منها الخمر ، وبالجملة فهذا المذهب أفسد مذهب في الأرض ، لأنه
يؤدي إلى إبطال الحقائق كلها ، وبالله تعالى التوفيق .
فإن تعلق متعلق بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن الحارث إذ تزوج بنت أبي إهاب
ابن عزيز فأتت الأمة السوداء فقالت : إني أرضعتكما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها
عنك كيف بك وقد قيل فهذا لا يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا وقد صح عنده
وجوب الحكم بقول تلك الأمة السوداء ، والخبر إذا صح عند الحاكم ، والشهادة
إذا ثبتت عنده لزمه أن يحكم بهما .
فإن قال قائل : لم يكن ذلك من قول الأمة السوداء شهادة لوجهين . أحدهما :
أنه لم تؤد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أخبرت بذلك عقبة بن الحارث ،
وليس حكم الشهادة إلا أن تؤدى عند الحاكم . والوجه الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم قد قال :
إن شهادة المرأة نصف شهادة رجل فلا سبيل إلى تعدي هذه القضية ، ولا
إلى أن تكون شهادة المرأة كشهادة رجل فكيف أن تكون كشهادة رجلين .
الاحكام — صفحة 755
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٥