وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه ، ولا يحرمون عليه امرأته
إن زنى بحريمتها ، فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب ، بل بأغلظ سبب ، وهو
المتفق عليه في وطئ الحلال ، ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة ، فيدخلون
التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب ، وغيرهم لا يبيح
دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا ، وكل هذا تناقض
منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الأسباب ، ولا يدخل
التحليل إلا بأغلظ الأسباب .
ومما يبطل قولهم غاية الابطال قول الله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم
الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) * وقوله تعالى : * ( قل أرأيتم
ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله
تفترون ) * . فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى
في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد
أحل لنا كل ما خلق في الأرض ، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى : * ( خلق
لكم ما في الأرض جميعا ) * ولقوله تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) فبطل
بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع .
وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك ،
وأن يتمادى في صلاته ، وعلى حكم طهارته ، هذا في الصلاة التي هي أوكد
الشرائع ، حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة ، فلو كان الحكم الاحتياط حقا
لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها ، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما
فوجب بما ذكرنا أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر
من نص أو إجماع ، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين
آخر من نص أو إجماع ، وبطل الحكم باحتياط . وصح أن لا حكم إلا لليقين
وحده ، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ،
ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى ، وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ
شك أطلقها أم لا ، لأنها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص
أو إجماع ، وبالله تعالى التوفيق .
الاحكام — صفحة 754
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٤