بعينه ، ولا يتقون الله تعالى فيحتاطون على أنفسهم التي أمروا بالاحتياط عليها
وقال لهم ربهم تعالى : * ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) * فيحرمون
عليه الثانية التي هي امرأته بلا شك ، ولم يطلقها قط فيخرجونها عن ملكه بغير
إذن من الله تعالى ، ويبيحون فرجها لمن لا شك في أنه حرام عليه من سائر من
يتزوجها من الناس ، وهي غير مطلقة ولا منفسخة ولا متوفى عنها ، فيقعون في
أعظم مما صانوا عنه غيرهم ، لان الشاك في الطلاق لو واقع ذلك الحرام لكان
غير آثم ، لأنه لا يعلمه حراما بعينه ، وهم يبيحون شيئا لا شك في أنه حرام
غير مباح ، وقد كان الأولى بهم ألا يقدموا على إباحة المرأتين اللتين لم يطلق
إحداهما بلا شك للأجنبيين ، فصاروا محلين للفروج المحرمة بيقين .
وأيضا فإنهم حكموا بالطلاق على امرأة لم تطلق من أجل غيرها طلقت
والله تعالى يقول : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) *
ولا يحل لاحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى ، لأنه يكون حينئذ
مفتريا في الدين ، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض ، فالفرض علينا
أن لا نحرم إلا ما حرم الله تعالى ، ونص على اسمه وصفته بتحريمه ، وفرض
علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا ، إلا ما نص
على تحريمه ، وألا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى ، فمن فعل غير هذا
فقد عصى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأتى بأعظم الكبائر .
ثم عطفوا فأسقطوا الاحتياط وتعمدوا إلى إسقاط الواجب في رجل شهد
عليه أربعة عدول ، بأنه أعتق خادمه هذه منذ عام كامل ، وهو منكر لذلك ، وهو
مقر بوطئها ، فيحكمون بشهادتهم ، حين أدائها ، ولا يحدونه على وطئ حرة بلا
إنكاح ، فهذا غاية الاقدام على المحرمات فأين الاحتياط ؟ والعجب أنهم يكذبون
الشهود إذ لم يحكموا بنص شهادتهم ، ولم يشهد القوم بأنها حررت الآن ، وإنما
شهدوا أنها حررت منذ عام . وكانوا غيبا إلى اليوم ، وفي هذا من السقوط والاقدام
غير قليل ، ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه أنه
يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا ،
الاحكام — صفحة 752
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٢