ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام
وحلال ، وهم لا يقولون بشئ من ذلك ، وهذا نقض لأصولهم في الحكم
بالاحتياط ، ورفع الذريعة والتهمة ، وقد تناقضوا في هذه المواضع .
وقال بعضهم محتجا لأصولهم في الحكم بالاحتياط : إن الحرام يدخل بأرق
سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء ، فحرم ذلك بالعقد ، وإن لم يكن
وطئ قالوا : وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الأسباب ، كتحليل المطلقة
لزوجها ثلاثا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين
الواردين فيهما ، وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل
إلا بأغلظ سبب ، قول فاسد لا دليل عليه ، لأنه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته ،
ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب ، وهو أن الله تعالى
حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها ، وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما
نص الله على تحريمها به ، ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط .
ووجدنا التحليل في الايمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة
مساكين ، أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها ، فإن قالوا : إنما وجب
هذان الحكمان بالنص ، قلنا لهم : وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة
ثلاثة بوطئ زوج آخر ، إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة .
ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له ، فلم يحرم عليه
بذلك . ولا أغلظ من تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يدخل التحريم بذلك ، إذ لم يكن
نزل بذلك عليه نص ، وتحلل من تلك اليمين بكفارة ، فدخل التحليل بأرق سبب
وأهونه ، فبطل ما ادعوا من ذلك .
وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب
ثم أباحوها . بالوطء دون الانزال ، فقد نقضوا أصولهم في ذلك ، وأدخلوا
التحليل بسبب رقيق ، لان الحسن البصري وهو أحد الأئمة يقول : لا تحل
للأول إلا بأن يطأها الثاني ، وينزل وإلا فلا ، وجعل الانزال تمام ذوق
العسيلة ، وهم لا يقولون بذلك .
الاحكام — صفحة 753
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٣