ولا سبيل إلى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر عقبة بأن يدع زوجه وينهاه عنها بالظن
الذي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكذب الحديث ، هذا ما لا يظنه مسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم
لا سيما في الفراق بين الزوجين ، الذي عظمه الله تعالى بقوله عز وجل واصفا
للسحرة * ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) * فإذ قد بطل أن
يكون حديث الأمة السوداء شهادة أو حكما بالظن فلم يبق إلا أنه خبر صدقه
النبي صلى الله عليه وسلم وعلم صحته فقضى به ، قيل له : أما قولك : لم تؤده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقد أدى شهادتهما بذلك ، وقولها إليه صلى الله عليه وسلم الثقة وهو المقول له ذلك وشهادة
واحد على شهادة واحدة عندنا جائزة .
وأما قولك : أنه صلى الله عليه وسلم قال : شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فنعم وهو
عليه السلام القائل لما ذكرت ، وهو القائل لعقبة بن الحارث : دعها عنك
فهو صلى الله عليه وسلم أمره بفراقها بشهادة السوداء ، فالمرأة الواحدة مقبولة في هذا
المكان بهذا الحديث ، وأما في سواه فامرأتان مقام رجل بالنص الآخر الذي
ذكرت ، ولا يحل ترك أحدهما للآخر .
هذا على أن المالكيين الحاكمين باحتياط وقطع الذرائع في العظائم التي
لم يأذن بها الله تعالى لا يحكمون بقول امرأة لزوج وامرأته : إني قد أرضعتكما ،
ولا يفرقون بينهما بذلك ، فهم يخالفون النصوص كما ترى حيث كان يكون لهم فيه
متعلق ، ويفرقون بالاحتياط حيث لم يأت فيه نص يتعلق به متعلق وبالله التوفيق .
فإن احتجوا بما حدث أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري ، أنا الحسن بن
أحمد بن فراس ، ثنا أحمد بن محمد بن سهل المعروف ببكير بن الحداد ، ثنا
أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي ، ثنا عمرو بن محمد العثماني ، ثنا إسماعيل بن
أبي أويس ، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة ، عن أبيه عن جده ، عن تميم الداري
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مشكل حرام وليس في الدين إشكال فهذا
حديث لا تقوم به حجة لضعف سنده ، لان حسين بن عبد الله ضعيف ، وأبوه
وجده غير مشهورين في أصحاب النقل .
وأما كل أشياء أو شيئين أيقنا أن فيهما حراما لا نعلمه بعينه فحكمهما التوقف
أو ترك التوقف ، على ما قد قسمناه في غير هذا الموضع ، حتى يتبين الحرام
الاحكام — صفحة 756
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٦