مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي ، فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في
كثير من مسائلهم إن القياس في هذه المسألة كذا ، ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك .
قال أبو محمد : واحتج القائلون بالاستحسان بقول الله عز وجل : * ( الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ) * .
قال أبو محمد : وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم ، لان الله تعالى لم يقل فيتبعون
ما استحسنوا وإنما قال عز وجل : * ( فيتبعون أحسنه ) * وأحسن الأقوال ما وافق
القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الاجماع المتيقن من كل مسلم ، ومن
قال غير هذا فليس مسلما ، وهو الذي بينه عز وجل إذ يقول : * ( فإن تنازعتم في
شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * ولم يقل
تعالى فردوه إلى ما تستحسنون .
ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان ، لأنه لو كان ذلك لكان
الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق ، ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل ، وتعارضت
البراهين ، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانا عنه ، وهذا محال لأنه
لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد ، على اختلاف هممهم
وطبائعهم وأغراضهم ، فطائفة طبعها الشدة ، وطائفة طبعها اللين ، وطائفة طبعها
التصميم ، وطائفة طبعها الاحتياط ، ولا سبيل إلى الاتفاق على استحسان شئ
واحد مع هذه الدواعي والخواطر المهيجة ، واختلافها واختلاف نتائجها
وموجباتها ، ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون ، ونجد
المالكيين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيون ، فبطل أن يكون الحق في
دين الله عز وجل مردودا إلى استحسان بعض الناس ، وإنما كان يكون هذا -
وأعوذ بالله - لو كان الدين ناقصا ، فأما وهو تام لا مزيد فيه ، مبين كله
منصوص عليه ، أو مجمع عليه فلا معنى لمن استحسن شيئا منه أو من غيره ،
ولا لمن استقبح أيضا شيئا منه أو من غيره .
والحق حق وإن استقبحه الناس ، والباطل باطل وإن استحسنه الناس ، فصح
أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان .
وقد روى الفتيا بالرأي في مسائل عن الصحابة .
الاحكام — صفحة 758
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٨