ثم إنه لا إطلاق لهذه من حيث الاختيار وعدمه ، لأنه لو كان وحده من دون المسبوقية بحكم النقاب ، لكان له وجه ان لم ينصرف إلى مورد الحاجة واما بعد ملاحظة المسبوقية به فلا إطلاق له البتة ، لأن النقاب انما يكون في مورد الحاجة في الجملة ، وان لم تبلغ حد الضرورة ، إذ لا تتنقب المرية في بيتها أو خيمتها مع محارمها ، بل في مورد يكون مظنة لنظر الأجانب أو فعليته ، فجعل السدل مكانه ، فلا إطلاق له حتى يشمل حال الاختيار الصرف ( 1 ) .
واما رواية الحلبي المتقدمة ، ففيها : أحرمي وأسفري وأرخى ثوبك من فوق رأسك ، فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك ، قال رجل : إلى أين ترخيه ؟ قال : تغطي عينها ، قال قلت : تبلغ فمها ؟ قال : نعم .
قد تقدم ان الأمر بالإسفار ظاهره لزوم الكشف ، لا حرمة التغطية ، ولكن بقرينة الترخيص في الإرخاء يفهم ان الكشف بما هو كشف ليس بواجب ولا ينافيه التعليل بعدم تغير اللون ، إذ يتغير مع السدل والإرخاء أيضا ، والمهم في عدم التغير هو الستر والغطاء ، بحيث لا يؤثر فيه الشمس ولا الهواء ، واما السدل فلا يمنع عن تأثير الهواء من تحت ، وان منع من تأثير الشمس من فوق ، وظاهر السؤال هو الاستعلام عن الحد بين الجواز والمنع ، ان لم يتعقب بالسؤال المستأنف مع جوابه ، واما معه فيشكل جدا ، لان ظاهر قوله : اين ترخيه ؟ ان كان سؤالا عن الحد ، فالجواب بتغطية العين يدل على الجواز هناك وعدمه في الزائد من الأنف ، فضلا عن الفم .
فيقع التعارض بين مفهوم التحديد المانع ، وبين المنطوق المجوز للفم أيضا ، فلا محيص الا التصرف في السؤال الأول بان لا يكون سؤالا عن حد الإرخاء بل عن
هامش
( 1 ) والإنصاف ان حمل قوله إلى طرف الأنف على الناحية والجانب الراجع لبا إلى نفى التحديد بعيد جدا ، لأن السؤال انما هو عن الحد ، وظاهر الجواب تحديده بما فوق الأنف قدر ما تبصر ، وما استبعده من الاختصاص بالحاجب وما فوقه ، بعد التصريح بالوجه أولا هين لا بعد فيه ، إذ لم يكن الصدر لبيان التحديد ، بل لبيان أصل الجواز .