تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وإني أحذركم ونفسي هذه المنزلة ، فلينتفع امرؤ بنفسه ، فإنما البصير من سمع فتفكر ، ونظر فأبصر ، وانتفع بالعبر ، ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في المهاوي ، والضلال في المغاوي ، ولا يعين على نفسه الغواة بتعسف في حق ، أو تحريف في نطق ، أو تخوف من صدق . فأفق أيها السامع من سكرتك ، واستيقظ من غفلتك ، واختصر من عجلتك ، وأنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم مما لا بد منه ، ولا محيص عنه . وخالف من خالف ذلك إلى غيره ، ودعه وما رضى لنفسه ، وضع فخرك ، واحطط كبرك ، واذكر قبرك ، فإن عليه ممرك ، وكما تدين تدان ، وكما تزرع تحصد ، وما قدمت اليوم تقدم عليه غدا ، فامهد لقدمك ، وقدم ليومك . فالحذر الحذر أيها المستمع ! والجد الجد ، أيها الغافل ، ( ولا ينبئك مثل خبير ( 1 ) ) . * * * الشرح : فاعل " كشف " هو الله تعالى ، وقد كان سبق ذكره في الكلام ، وإنما كشف لهم عن جزاء معصيتهم بما أراهم حال الموت من دلائل الشقوة والعذاب ، فقد ورد في الخبر الصحيح أنه " لا يموت ميت حتى يرى مقره من جنة أو نار " . ولما انفتحت أعين أبصارهم عند مفارقة الدنيا ، سمى ذلك عليه السلام استخراجا لهم من جلابيب غفلتهم ، كأنهم كانوا من الغفلة والذهول في لباس نزع عنهم . قال : " استقبلوا مدبرا " ، أي استقبلوا أمرا كان في ظنهم واعتقادهم مدبرا عنهم ، وهو الشقاء والعذاب . " واستدبروا مقبلا " تركوا وراء ظهورهم ما كانوا خولوه من الأولاد والأموال والنعم وفى قوة هذا الكلام أن يقول : عرفوا ما أنكروه وأنكروا ما عرفوه :
هامش
( 1 ) سورة فاطر 14 .