تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
قوله : " تضيع في غبارها الوحدان " ، جمع واحد ، مثل شاب وشبان ، وراع ورعيان ، ويجوز " الأحدان " بالهمز ، أي من كان يسير وحده فإنه يهلك بالكلية في غبارها ، وأما إذا كانوا جماعة ركبانا فإنهم يضلون ، وهو أقرب من الهلاك ، ويجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد ، يقال : فلان أوحد الدهر ، وهؤلاء الوحدان أو الأحدان ، مثل أسود وسودان ، أي يضل في هذه الفتنة ، وضلالها الذي كنى عنه بالغبار فضلاء ، عصرها وعلماء عهدها ، لغموض الشبهة واستيلاء الباطل على أهل وقتها . ويكون معنى الفقرة الثانية على هذا التفسير أن الراكب الذي هو بمظنة النجاة لا ينجو . والركبان : جمع راكب ، ولا يكون إلا ذا بعير . قوله : ترد بمر القضاء ، أي بالبوار والهلاك والاستئصال . فإن قلت : أيجوز أن يقال للفتنة القبيحة : إنها من القضاء ؟ قلت : نعم ، لا بمعنى الخلق بل بمعنى الاعلام ، كما قال سبحانه : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ) ( 1 ) أي أعلمناهم ، أي ترد هذه الفتنة بإعلام الله تعالى لمن يشاء إعلامه من المكلفين أنها أم اللهيم ( 2 ) التي لا تبقى ولا تذر ، فذلك الاعلام هو المر الذي لا يبلغ الوصف مرارته ، لان الاخبار عن حلول المكروه الذي لا مدفع عنه ولا محيص منه ، مر جدا . قوله : " وتحلب عبيط الدماء " ، أي هذه الفتنة يحلبها الحالب دما عبيطا ، وهذه كناية عن الحرب ، وقد قال عليه السلام في موضع آخر : " أما والله ليحلبنها دما ، وليتبعنها ندما " والعبيط : الدم الطري الخالص . وثلمت الاناء ، أثلمه بالكسر . والأكياس : العقلاء .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء 4 . ( 2 ) أم اللهيم : الداهية .