تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ثم ذكر عليه السلام أن القائد يتبرأ من المقود ، أي يتبرأ المتبوع من التابع فيكون كل من الفريقين تبرأ من صاحبه ، كما قال سبحانه : ( ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ) ( 1 ) . ويتزايلون : يتفرقون . قوله : " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف " ، طالعها : مقدماتها وأوائلها ، وسماها " رجوفا " ، لشدة الاضطراب فيها . فإن قلت : ألم تكن قلت : إن قوله : " عن قليل يتبرأ التابع من المتبوع " يعنى به يوم القيامة فكيف يقول : " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة " وهذا إنما يكون قبل القيامة ! قلت : إنه لما ذكر تنافس الناس على الجيفة المنتنة وهي الدنيا ، أراد أن يقول بعده بلا فصل : " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف " ، لكنه لما تعجب من تزاحم الناس وتكالبهم على تلك الجيفة ، أراد أن يؤكد ذلك التعجب ، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين ، تؤكد معنى تعجبه منهم ، فقال : إنهم على ما قد ذكرنا من تكالبهم عليها ، عن قليل يتبرأ بعضهم من بعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، وذلك أدعى لهم - لو كانوا يعقلون - إلى أن يتركوا التكالب والتهارش على هذه الجيفة الخسيسة . ثم عاد إلى نظام الكلام ، فقال : " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف " ، ومثل هذا الاعتراض في الكلام كثير ، وخصوصا في القرآن ، وقد ذكرنا منه فيما تقدم طرفا . قوله : " والقاصمة الزحوف " القاصمة : الكاسرة ، وسماها زحوفا تشبيها لمشيها قدما بمشي الدبى الذي يهلك الزروع ويبيدها ، والزحف : السير على تؤدة كسير الجيوش بعضها إلى بعض .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت 25 .