يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) ، فالعامل في الظرف " استطعما " ،
ويجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة . ولا يجب أن تكون جميع الأفعال
المذكورة المعطوفة واقعة حال الاتيان أيضا ، ألا ترى أن من جملتها " فأقامه " ولم يكن
إقامة الجدار حال إتيانهما القرية بل متراخيا عنه بزمان ما ، اللهم إلا أن يقول قائل : أشار
بيده إلى الجدار فقام ، أو قال له : قم ، فقام لأنه لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنا
للاتيان إلا على هذا الوجه ، وهذا لم يكن ، ولا قاله مفسر . ولو كان قد وقع على هذا الوجه
لما قال له : ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) ، لان الاجر إنما يكون على اعتمال عمل فيه
مشقة ، وإنما يكون فيه مشقة إذا بناه بيده ، وباشره بجوارحه وأعضائه .
واعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل ،
ومنصبه العظيم ، ودينه القويم ، من الاغضاء عما سلف ممن سلف ، فقد كان صاحبهم
بالمعروف برهة من الدهر ، فأما أن يكون ما كانوا فيه حقهم أو حقه ، فتركه لهم رفعا
لنفسه عن المنازعة ، أو لما رآه من المصلحة ، وعلى كلا التقديرين فالواجب علينا أن
نطبق بين آخر أفعاله وأقواله بالنسبة إليهم وبين أولها ، فإن بعد تأويل ما يتأوله من
كلامه ، ليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة في القرآن ، ولم يمنع
بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الأصول المقررة ، فكذلك هاهنا .
هامش
( 1 ) سورة الكهف 77 .