تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
بالتأديب والارشاد وإرهاق الهمم والعزائم ، بالتبصير والوعظ والتحريض والتشجيع ، وإن كان الثاني تداركت الامر معكم ، إما بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب وأهل خراسان والحجاز ، فكلهم كانوا شيعته وقائلين بإمامته ، أو بما أراه في ذلك الوقت من المصلحة التي تحكم بها الحال الحاضرة . قال : لو فعلت ذلك لكانت هي العقدة الوثقى ، أي الرأي الأصوب الأحزم . فإن قلت : أفتقولون إنه أخطأ في العدول عن هذا الرأي ؟ قلت : لا نقول إنه أخطأ بمعنى الاثم ، لأنه إنما فعل ما تغلب على ظنه أنه المصلحة ، وليس الواجب عليه إلا ذلك ، ولكنه ترك الرأي الأصوب كما قال الحسن : " هلا مضيت قدما لا أبالك ! " ، ولا يلحق الاثم من غلب على ظنه في حكم السياسة أمر فاعتمده ، ثم بان له أن الأصوب كان خلافه ، وقد قيل إن قوله : لقد عثرت عثرة لا تنجبر * سوف أكيس بعدها وأستمر * وأجمع الرأي الشتيت المنتشر * إشارة إلى هذا المعنى ، وقيل : فيه غير ذلك مما قدمنا ذكره قبل . وقال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رضي الله عنه : من عرفه عرف أنه غير ملوم في الانقياد معهم إلى التحكيم ، فإنه مل من القتل وتجريد السيف ليلا ونهارا ، حتى ملت الدماء من إراقته لها ، وملت الخيل من تقحمه الأهوال بها ، وضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة ، والأرزاء العظيمة ، واستلاب الأنفس ، وتطاير الأيدي والأرجل بين يديه ، وأكلت الحرب أصحابه وأعداءه ، وعطلت السواعد ، وخدرت الأيدي التي سلمت من وقائع السيوف بها ، ولو أن أهل الشام لم يستعفوا من الحرب ، ويستقيلوا من المقارعة والمصادمة ،
شرح نهج البلاغة — صفحة 293 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم