تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
بالجماعة الفرقة ، وبالفرقة الفتنة ، فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته ، واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم ، واعقلوها على أنفسكم . * * * الشرح : هذه شبهة من شبهات الخوارج ، ومعناها أنك نهيت عن الحكومة أولا ثم أمرت بها ثانيا ، فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيبا ، وبأمرك بها مخطئا ، وإن كانت حسنة ، كنت بنهيك عنها مخطئا ، وبأمرك بها مصيبا ، فلا بد من خطئك على كل حال . وجوابها أن للامام أن يعمل بموجب ما يغلب على ظنه من المصلحة ، فهو عليه السلام لما نهاهم عنها كان نهيه عنها مصلحة حينئذ ، ولما أمرهم بها كانت المصلحة في ظنه قد تغيرت ، فأمرهم على حسب ما تبدل وتغير في ظنه ، كالطبيب الذي ينهى المريض اليوم عن أمر ويأمره بمثله غدا . وقوله : " هذا جزاء من ترك العقدة " ، يعنى الرأي الوثيق ، وفي هذا الكلام اعتراف بأنه بان له وظهر فيما بعد أن الرأي الأصلح كان الاصرار والثبات على الحرب ، وأن ذلك وإن كان مكروها ، فإن الله تعالى كان يجعل الخيرة فيه ، كما قال سبحانه : ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ( 1 ) . ثم قال : كنت أحملكم على الحرب وترك الالتفات إلى مكيدة معاوية وعمرو ، من رفع المصاحف ، فإن استقمتم لي اهتديتم بي ، وإن لم تستقيموا فذلك ينقسم إلى قسمين : أحدهما أن تعوجوا ، أي يقع منكم بعض الالتواء ، ويسير من العصيان ، كفتور الهمة وقلة الجد في الحرب . والثاني التأني والامتناع المطلق من الحرب ، فإن كان الأول قومتكم
هامش
( 1 ) سورة النساء 19 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 292 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم