تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
من أقل منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ، وزال عما قليل عنه . كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة قد صرعته ، وذي أبهة قد جعلته حقيرا ، وذي نخوة قد ردته ذليلا ! سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام . حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب ، وجارها محروب . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ، وأعد عديدا ، وأكثف جنودا ! تعبدوا للدنيا أي تعبد ، وآثروها أي إيثار ، ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة ! بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون . فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد . وهل زودتهم إلا السغب ، أو أحلتهم إلا الضنك ، أو نورت لهم إلا الظلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة ! أفهذه تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون ! فبئست الدار لمن لم يتهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ! فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها ، وظاعنون عنها . واتعظوا فيها بالذين قالوا : ( من أشد منا قوة ) ( 1 ) ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا
هامش
( 1 ) سورة فصلت 15