تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
فإن قلت : ما هذا الكنه الذي خفى عن الملائكة ، حتى قال : " لو عاينوه لحقروا عبادتهم ، ولعلموا أنهم قد قصروا فيها " ؟ قلت : إن علوم الملائكة بالباري تعالى نظرية كعلوم البشر ، والعلوم النظرية دون العلوم الضرورية في الجلاء والوضوح ، فأمير المؤمنين عليه السلام يقول : لو كانت علومهم بك وبصفاتك الاثباتية والسلبية والإضافية ضرورية ، عوض علومهم هذه المتحققة الآن ، التي هي نظرية ، ولا نكشف لهم ما ليس الآن على حد ذلك الكشف والوضوح . ولا شبهة أن العبادة والخدمة على قدر المعرفة بالمعبود ، فكلما كان العابد به أعرف ، كانت عبادته له أعظم ، ولا شبهة أن العظيم عند الأعظم حقير . فإن قلت : فما معنى قوله : " واستجماع أهوائهم فيك " ، وهل للملائكة هوى ؟ وهل تستعمل الأهواء إلا في الباطل ؟ قلت : الهوى : الحب وميل النفس ، وقد يكون في باطل وحق ، وإنما يحمل على أحدهما بالقرينة ، والأهواء تستعمل فيهما ، ومعنى استجماع أهوائهم فيه أن دواعيهم إلى طاعته وخدمته لا تنازعها الصوارف ، وكانت مجتمعة مائلة إلى شق واحد . فإن قلت : الباء في قوله : " بحسن بلائك " بماذا تتعلق ؟ قلت : الباء هاهنا للتعليل بمعنى اللام ، كقوله تعالى : ( ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ) ( 1 ) ، أي لأنهم ، فتكون متعلقة بما في " سبحانك " من معنى الفعل ، أي أسبحك لحسن بلائك . ويجوز أن تتعلق بمعبود ، أي يعبد لذلك . ثم قال : " خلقت دارا " يعنى الجنة . والمأدبة والمأدبة ، بفتح الدال وضمها : الطعام الذي يدعى الانسان إليه ، أدب زيد القوم ، يأدبهم بالكسر ، أي دعاهم إلى طعامه ، والآدب : " الداعي إلى طعامه ، قال طرفة :
هامش
( 1 ) سورة غافر 22 .