تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الشر ، وبهما يقع الطمع والاقدام على المعاصي . وأيضا فإن منهم من يشاهد الجنة والنار عيانا ، فيكون أخوف لأنه ليس الخبر كالعيان . قوله : " وأقربهم منك " لا يريد القرب المكاني لأنه تعالى منزه عن المكان والجهة ، بل المراد كثرة الثواب وزيادة التعظيم والتبجيل ، وهذا يدل على صحة مذهب أصحابنا في أن الملائكة أفضل من الأنبياء . ثم نبه على مزية لهم تقتضي أفضلية جنسهم على جنس البشر ، بمعنى الأشرفية ، لا بمعنى زيادة الثواب وهو قوله " لم يسكنوا الأصلاب ولم يضمنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يتشعبهم ريب المنون " ، وهذه خصائص أربع : فالأولى أنهم لم يسكنوا الأصلاب ، والبشر سكنوا الأصلاب ، ولا شبهة أن ما ارتفع عن مخالطة الصورة اللحمية والدموية أشرف مما خالطها ومازجها . والثانية أنهم لم يضمنوا الأرحام ، ولا شبهة أن من لم يخرج من ذلك الموضع المستقذر أشرف ممن خرج منه ، وكان أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن كامكاو بن يزد جرد ابن شهريار ، يفخر على أبناء الملوك بأنه لم يخرج من بضع امرأة ، لان أمه ماتت وهي حامل به ، فشق بطنها عنه وأخرج ، قال أبو الريحان البيروني في كتاب " الآثار الباقية عن القرون الخالية " عن هذا الرجل : إنه كان يتيه على الناس ، وإذا شتم أحدا ، قال : ابن البضع ، قال أبو الريحان : وأول من اتفق له ذلك الملك المعروف بأغسطس ملك الروم ، وهو أول من سمى فيهم قيصر ، لان تفسير " قيصر " بلغتهم ، شق عنه ، وأيامه تاريخ ، كما أن أيام الإسكندر تاريخ لعظمه وجلالته عندهم . والثالثة أنهم لم يخلقوا من ماء مهين ، وقد نص القرآن العزيز على أنه مهين ، وكفى ذلك في تحقيره وضعته ، فهم لا محالة أشرف ممن خلق منه ، لا سيما وقد ذهب كثير من العلماء إلى نجاسته .