تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
على الغرة ، حيث لا إقالة لهم ولا رجعة ، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا . يوعدون . فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت ، وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيرت لها ألوانهم ، ثم أزداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع بأذنه على صحة من عقله ، وبقاء من لبه ، يفكر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ! ويتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، ويتمتعون بها ، فيكون المهنأ لغيره ، والعبء على ظهره ، والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ، فلم يزل الموت يبالغ في جسده ، حتى خالط سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، ولا يسمع رجع كلامهم ، ثم ازداد الموت التياطا ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا ، ثم حملوه إلى محط في الأرض ، فأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته . حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والامر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، أماد السماء وفطرها ، وأرج الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودك بعضها بعضا من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجددهم بعد إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرقهم ، ثم ميزهم لما يريده من
شرح نهج البلاغة — صفحة 201 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم