تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
يغير بها على أطراف أعمال علي عليه السلام كالأنبار وغيرها ، مما تقدم ذكرنا له ، قال لهم : إن الله أكرمكم بالاسلام بعد أن كنتم مجوسا ، أو عباد أصنام ، وبلغتم من كرامته إياكم بالاسلام منزلة عظيمة ، أكرم بها إماؤكم وعبيدكم ، ومن كان مظنة المهنة والمذلة . ووصل بها جيرانكم ، أي من التجأ إليكم من معاهد أو ذمي ، فإن الله تعالى حفظ لهم ذمام المجاورة لكم ، حتى عصم دماءهم وأموالهم ، وصرتم إلى حال يعظمكم بها من لا فضل لكم عليه ، ولا نعمة لكم عنده ، كالروم والحبشة ، فإنهم عظموا مسلمي العرب لتقمصهم لباس الاسلام والدين ، ولزومهم ناموسه ، وإظهارهم شعاره . ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ، ولا لكم عليه إمرة ، كالملوك الذين في أقاصي البلاد ، نحو الهند والصين وأمثالها ، وذلك لأنهم هابوا دولة الاسلام ، وإن لم يخافوا سطوة سيفها ، لأنه شاع وذاع أنهم قوم صالحون ، إذا دعوا الله استجاب لهم ، وأنهم يقهرون الأمم بالنصر السماوي وبالملائكة ، لا بسيوفهم ولا بأيديهم . قيل : إن العرب لما عبرت دجلة إلى القصر الأبيض الشرقي بالمدائن عبرتها في أيام مدها ، وهي كالبحر الزاخر على خيولها وبأيديها رماحها ، ولا دروع عليها ولا بيض ، فهربت الفرس بعد رمى شديد منها للعرب بالسهام ، وهم يقدمون ويحملون ، ولا تهولهم السهام ، فقال فلاح نبطي ، بيده مسحاته وهو يفتح الماء إلى زرعه لأسوار من الأساورة معروف بالبأس وجودة الرماية : ويلكم ! أمثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء القوم الحاسرين ! ولذعه باللوم والتعنيف : فقال له : أقم مسحاتك ، فأقامها فرماها ، فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر ، ثم قال : انظر الآن ، ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه ولا فرسه منها بسهم واحد ، وإنه لقريب منه غير بعيد . ولقد كان بعض السهام يسقط بين يدي الأسوار ، فقال له بالفارسية : أعلمت أن القوم مصنوع لهم ! قال : نعم .
شرح نهج البلاغة — صفحة 177 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم