تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
مع ذلك يحب رسول الله صلى الله عليه وآله لنسبته منه ، وتربيته له ، واختصاصه به من دون أصحابه ، وبعد ، فشرفه له ، لأنهما نفس واحدة في جسمين ، الأب واحد ، والدار واحدة ، والأخلاق متناسبة ، فإذا عظمه فقد عظم نفسه ، وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه ، ولقد كان يود أن تطبق دعوة الاسلام مشارق الأرض ومغاربها ، لان جمال ذلك لاحق به ، وعائد عليه ، فكيف لا يعظمه ويبجله ويجتهد في إعلاء كلمته ! فقلت له : قد كنت اليوم أنا وجعفر بن مكي الشاعر نتجاذب هذا الحديث ، فقال جعفر : لم ينصر رسول الله صلى الله عليه وآله أحد نصرة أبى طالب وبنيه له ، أما أبو طالب فكفله ورباه ، ثم حماه من قريش عند إظهار الدعوة ، بعد إصفاقهم وإطباقهم على قتله ، وأما ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى أرض الحبشة ، فنشر دعوته بها ، وأما على فإنه أقام عماد الملة بالمدينة ، ثم لم يمن أحد من القتل والهوان والتشريد بما منى به بنو أبى طالب ، أما جعفر فقتل يوم مؤتة ، وأما على فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل ، وتمنى الموت ، ولو تأخر قتل ابن ملجم له لمات أسفا وكمدا ، ثم قتل ابناه بالسم والسيف ، وقتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطف ، وحملت نساؤهم على الأقتاب سبايا إلى الشام ، ولقيت ذريتهم وأخلافهم بعد ذلك من القتل والصلب والتشريد في البلاد والهوان والحبس والضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه ، فأي خير أصاب هذا البيت من نصرته ، ومحبته وتعظيمه بالقول والفعل ! فقال رحمه الله - وأصاب فيما قال - : فهلا قلت : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين ) ( 1 ) . ثم قال : وهلا قلت له فقد نصرته الأنصار ، وبذلت مهجها دونه ، وقتلت بين يديه في
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 163 .