ديباجة شعر ، وأكثرهم رونق كلام ، وأجزلهم بيتا ، كان شعره كلام ليس بتكلف ،
والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر ، لان الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض
والقوافي ، والمتكلم مطلق ، يتخير الكلام كيف شاء ، قالوا والنابغة نبغ بالشعر بعد
أن احتنك ، وهلك قبل أن يهتر .
قلت : وكان أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي البصري يفضل النابغة ،
واستقرأني يوما وبيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر ، ويذكر
مرضه ، ويعتذر إليه مما كان اتهم به ، وقذفه به أعداؤه ، وأولها :
كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا * وهمين : هما مستكنا وظاهرا ( 1 )
أحاديث نفس تشتكي ما يريبها * وورد هموم لو يجدن مصادرا
تكلفني أن يغفل الدهر همها * وهل وجدت قبلي على الدهر ناصرا !
يقول هذه النفس تكلفني إلا يحدث لها الدهر هما ولا حزنا ، وذلك مما لم يستطعه
أحد قبلي .
ألم تر خير الناس أصبح نعشه * على فتية قد جاوز الحي سائرا !
كان الملك منهم إذا مرض حمل على نعش وطيف به على أكتاف الرجال بين
الحيرة والخورنق والنجف ، ينزهونه .
ونحن لديه نسأل الله خلده * يرد لنا ملكا وللأرض عامرا ( 2 )
ونحن نرجى الخير إن فاز قدحنا * ونرهب قدح الدهر إن جاء قامرا
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا * وأصبح جد الناس بعدك عاثرا
وردت مطايا الراغبين وعريت * جيادك لا يحفى لها الدهر حافرا
هامش
( 1 ) ديوانه 39 - 42 . والجمومان : موضع .
( 2 ) الخلد : البقاء .