بن العاص فيهم ، فقال : ويحكم يا بنى أمية ! أفيكم من يكفيني ابن الزبير ؟ فقال
عمرو : أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ، قال : ما أظنك تفعل ؟ قال : بلى والله لأربدن
وجهه ( 1 ) ، ولأخرسن لسانه ، ولأردنه ألين من خميلة ( 2 ) .
فقال : دونك ، فأعرض له إذا دخل ، فدخل ابن الزبير - وكان قد بلغه كلام
معاوية وعمرو - فجلس نصب عيني عمرو ، فتحدثوا ساعة ثم قال عمرو :
وإني لنار ما يطاق اصطلاؤها * لدى كلام معضل متفاقم ( 3 )
فأطرق ابن الزبير ساعة ينكت في الأرض ، ثم رفع رأسه وقال :
وإني لبحر ما يسامي عبابه * متى يلق بحري حر نارك يخمد .
فقال عمرو : والله يا بن الزبير إنك ما علمت لمتجلبب جلابيب الفتنة ، متأزر بوصائل ( 4 )
التيه ، تتعاطى الذرا الشاهقة ، والمعالي الباسقة ، وما أنت من قريش في لباب جوهرها
ولا مؤنق حسبها ( 5 ) !
فقال ابن الزبير : أما ما ذكرت من تعاطى الذرا فإنه طال بي إليها وسما ما لا يطول
بك مثله : أنف حمى ، وقلب ذكى ، وصارم مشرفي ، في تليد فارع ( 6 ) ، وطريف
مانع ، إذ قعد بك انتفاخ سحرك ( 7 ) ، ووجيب قلبك ( 8 ) . وأما ما ذكرت من أنى
لست من قريش في لباب جوهرها ، ومؤنق حسبها ، فقد حضرتني وإياك الأكفاء
العالمون بي وبك ، فاجعلهم بيني وبينك .
هامش
( 1 ) أي لأصيرنه أربد ، والربدة : لون إلى الغبرة .
( 2 ) الخميلة : القطيفة .
( 3 ) تفاقم الامر ، إذا عظم .
( 4 ) الوصائل : جمع وصيلة ، وهي ثوب مخطط يمان .
( 5 ) آنقني الشئ إيناقا ، أعجبني فهو مؤنق .
( 6 ) فارع : عال .
( 7 ) السحر : الرئة ، ويقال : انتفخ سحره ، أي عدا طوره .
( 8 ) وجيب القلب : خفقانه واضطرابه .