هم دفعوا الدنيا على حين أعرضت * كراما وسنوا للكرام التأسيا .
وروى أبو العباس في الكامل إن عروة لما صلب عبد الله جاء إلى عبد الملك
فوقف ببابه ، وقال للحاجب : أعلم أمير المؤمنين إن أبا عبد الله بالباب ، فدخل الحاجب
فقال : رجل يقول قولا عظيما . قال : وما هو ؟ فتهيب ، فقال : قل . قال : رجل يقول :
قل لأمير المؤمنين : أبو عبد الله بالباب ، فقال عبد الملك : قل لعروة يدخل ، فدخل
فقال : تأمر بإنزال جيفة أبى بكر فإن النساء يجزعن ، فأمر بإنزاله . قال : وقد كان
كتب الحجاج إلى عبد الملك يقول : إن خزائن عبد الله عند عروة ، فمره فليسلمها ،
فدفع عبد الملك إلى عروة ، وظن أنه يتغير ، فلم يحفل بذلك كأنه ما قرأه ، فكتب
عبد الملك إلى الحجاج ألا يعرض لعروة . ومن الكلام المشهور في بخل عبد الله بن الزبير الكلام الذي يحكى أن
أعرابيا ( 1 ) أتاه يستحمله ، فقال : قد نقب خف راحلتي فاحملني ( 2 ) إني قطعت الهواجر
إليك عليها ، فقال له : ارقعها بسبت ، واخصفها بهلب ، وانجد بها ، وسر بها البردين ( 3 )
فقال : إنما أتيتك مستحملا ، لم آتك مستوصفا ، لعن الله ناقة حملتني إليك ، قال :
إن وراكبها ( 4 ) .
هامش
( 1 ) الخبر في الأغاني 1 : 15 ، 16 .
( 2 ) الأغاني : ( نفدت نفقتي ، ونقبت راحلتي ) . ونقب البعير ، إذا رقت أخفافه .
( 3 ) السبت : جلود البقر المدبوغة بالقرظ تحذى منها النعال السبتية . والخصف : أن يظاهر الجلدين
بعضهما إلى بعض ويخرزهما . والهلب : شعر الخنزير الذي يخرز به ، الوحد هلبة ، وأنجد ، إذا دخل بلاد
نجد ، وهو موصوف بالبرد . والبردان : الغداة والعشي .
( 4 ) في الأغاني عن اليزيدي : ( أن ) ها هنا بمعنى نعم ، كأنه إقرار بما قال ، ومثله قول ابن قيس الرقيات :
ويقلن شيب قد علاك * وقد كبرت ، فقلت إنه .