الحمد لله الذي له الخلق والامر ، يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن
يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه ولو كان فردا ، ولم
يعزز الله ولى الشيطان وحزبه وإن كان الأنام كلهم معه ، ألا وإنه قد أتانا من العراق
خبر أحزننا وأفرحنا ، أتانا قتل المصعب رحمه الله ، فأما الذي أحزننا فإن لفراق
الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر
وكرم العزاء ، وأما الذي أفرحنا فإن قتله كان عن شهادة ، وإن الله تعالى جعل ذلك
لنا وله ذخيرة . إلا إن أهل العراق ، أهل الغدر والنفاق ، أسلموه وباعوه بأقل الثمن ، فإن
يقتل المصعب فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ما نموت جبحا كما يموت بنو العاص ، ما نموت
إلا قتلا ، قعصا ( 1 ) بالرماح ، وموتا تحت ظلال السيوف ، ألا إنما الدنيا عارية من
الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ، فإن تقبل الدنيا على لا آخذها أخذ
الأشر البطر ( 2 ) ، وإن تدبر عنى لا أبكى عليها بكاء الخرف المهتر ، وإن يهلك المصعب
فإن في آل الزبير لخلفا . ثم نزل .
وروى الزبير بن بكار قال : خطب عبد الله بن الزبير بعد أن جاءه مقتل
المصعب ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : لئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بإمامي عثمان ،
فعظمت مصيبته ، ثم أحسن الله وأجمل ، ولئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بأبي الزبير ،
فعظمت مصيبته ، فظننت إني لا أجيزها ، ثم أحسن الله وسلم ، واستمرت مريرتي ،
وهل كان مصعب إلا فتى من فتياني ! ثم غلبه البكاء فسالت دموعه وقال : كان والله
سريا مريا ، ثم قال :
هامش
( 1 ) القعص : الموت السريع .
( 2 ) الأشر والبطر كلاهما بمعنى واحد .