دخل عبد الله بن الزبير على معاوية ، فقال : اسمع أبياتا قلتها عاتبتك ، فيها قال :
هات ، فأنشده :
لعمري ما أدرى وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أزل * إن أعياك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة * واحبس يوما إن حبست فاعقل
وإن سؤتني يوما صفحت إلى غد * ليعقب يوم منك آخر مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر أي كف تبدل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل
وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي * وبدل شرا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن ولم أقم * على الضيم إلا ريثما أتحول
وفي الناس إن رثت حبالك واصل * وفي الأرض عن دار القلى متحول
إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل .
فقال معاوية : لقد شعرت بعدي يا أبا خبيب ، وبينما هما في ذلك دخل معن بن أوس
المزني ، فقال له معاوية : إيه ! هل أحدثت بعدنا شيئا ؟ قال : نعم ، قال قل ، فأنشد
هذه الأبيات ، فعجب معاوية وقال لابن الزبير : ألم تنشدها لنفسك آنفا ، فقال : أنا
سويت المعاني ، وهو ألف الألفاظ ونظمها ، وهو بعد ظئري ( 1 ) ، فما قال من شئ
فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعا في مزينة - فقال معاوية : وكذبا يا أبا خبيب !
فقام عبد الله فخرج .
هامش
( 1 ) يقال : هي ظئره ، وهو ظئره ، وهم وهن أظآره ، أي أخواته من الرضاعة .